حين يصبح كل خرق مكلفا.. معادلة الردع اليمنية الجديدة

نبيل بن جبل

 

لم تعد بيانات القوات المسلحة اليمنية الأخيرة مجرد إعلان عن موقف عسكري أو رد فعل على حوادث عابرة بل جاءت لتؤسس لمرحلة جديدة في معادلة الردع عنوانها أن السيادة اليمنية لم تعد مجالا للاختبار أو الاستباحة وأن كل اعتداء أو خرق للأجواء اليمنية سيقابله رد حاسم وقوي ومؤثر يرسخ معادلة ردع جديدة قوامها أن كلفة العدوان ستكون أعلى من أي رهان.

ويكشف مضمون هذه البيانات بوضوح أن الرد لم يعد إجراء شكليا أو رسالة رمزية بل أصبح جزءا من سياسة ثابتة تقوم على الحسم والردع الفاعل؛ لأن الرد الذي لا يحقق الردع لا يمنع تكرار الاعتداءات ولا يفرض احترام السيادة ولا يكسر الحصار ولا يمهد الطريق أمام سلام عادل يعيد للشعب اليمني حقوقه المشروعة كاملة ومن هنا فإن الحسم لم يعد خيارا تكتيكيا بل أصبح ضرورة حتمية تفرضها طبيعة المرحلة ومتطلبات الحفاظ على السيادة الوطنية وفي ظل هذه المعادلة أصبحت موازين الردع أكثر حساسية من أي وقت مضى فلم يعد هناك ما يمكن وصفه بخرق بسيط أو انتهاك يمكن التغاضي عنه لأن التجارب أثبتت أن التساهل مع الاعتداءات السعودية لا يؤدي إلا إلى تشجيعها على التمادي وتكرارها بينما يعيد الرد الحاسم رسم خطوط الاشتباك ويؤكد أن لكل انتهاك ثمنا باهظا لا بد من دفعه.

ويشهد التاريخ أن الدول التي تتردد في الدفاع عن سيادتها تخسر هيبتها حين يقع الاعتداء ويمر دون ردع يوازيه، أما حين تقترن الإرادة السياسية بالقدرة العسكرية فإن معادلة الردع تترسخ ويتحول التفكير في الاعتداء إلى مخاطرة باهظة الكلفة قبل أن يكون خيارا ممكنا.

إن الرسالة التي تفرض نفسها اليوم هي أن يمن اليوم ليس يمن الأمس وأن مرحلة التغاضي عن انتهاكات النظام السعودي للسيادة اليمنية وسياسات الغطرسة والوصاية التي انتهجها لعقود قد انتهت بلا رجعة.

فحماية السيادة أصبحت قاعدة عملية تثبتها القوات المسلحة اليمنية بالفعل قبل القول

ولم يكن الوصول إلى هذه المرحلة وليد لحظة أو قرار عابر بل جاء بعد سنوات طويلة من العدوان والمراوغة والمماطلة وتشديد الحصار واستمرار الحرب الاقتصادية التي استهدفت إنهاك الشعب اليمني وإضعافه إلى جانب التدخلات المتواصلة في الشأن اليمني ومنع الدولة اليمنية من استثمار ثرواتها النفطية والاستفادة من مقدراتها الوطنية فضلا عن العدوان العسكري في مارس 2015م الذي استهدف ودمر مقومات الحياة في اليمن والحصار السعوأمريكي الذي أغلق الموانئ والمطارات واحتجز السفن وأعاق دخول الأدوية والمستلزمات الطبية والبضائع ومنع المرضى والجرحى من السفر لتلقي العلاج في مشهد خلف واحدة من أكبر المآسي الإنسانية التي عرفها العصر الحديث.

وأمام هذا الواقع وبعد استنفاد كل الوسائل الدبلوماسية والسياسية في سبيل كسر الحصار ووقف العدوان وإنهاء الوصاية السعودية ترسخت لدى أحرار اليمن قناعة راسخة بأن تحقيق سلام شامل وعادل مع عدو تاريخي لليمن لا يستجيب إلا لمنطق القوة لم يعد ممكنا إلا بفرض معادلة ردع واضحة عنوانها: (الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد الشامل والجروح قصاص).

ومن هنا برز الردع العسكري اليمني بوصفه الخيار الذي أثبت فاعليته وجدواه في تغيير معادلات العدوان والحصار السعودي فحظر الملاحة على النظام السعودي إلى جانب العمليات النوعية التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية بالصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة والتي تستهدف عمق العدو السعودي ومنشآته الحيوية والنفطية ومطاراته يشكل معادلة ردع يمنية تهدف إلى إجباره على إعادة حساباته بعدما أثبتت أحد عشر عاما أن سياسة الصبر وحدها لم تكن كافية لوقف العدوان أو إنهاء الحصار.

ولذلك فإن سياسة المعاملة بالمثل تمثل الوسيلة الأكثر فاعلية لإنهاء العدوان والحصار ودفع العدو السعودي إلى إدراك أن الأمن والاستقرار لا يمكن أن يتحققا عبر الحصار والتجويع والعدوان وإنما عبر احترام سيادة اليمن ورفع الحصار وإنهاء العدوان ووقف كل أشكال التدخل في الشأن اليمني.

وفي المقابل فإن على النظام السعودي أن يدرك أن الشعب اليمني بقيادته وجيشه لن يقف مكتوف الأيدي أمام أي اعتداء يمس سيادته وحقوقه وأنه يمتلك الإرادة والقدرة على مواصلة الدفاع عن نفسه وتحمل التضحيات في سبيل الله وفي سبيل إنهاء العدوان وكسر الحصار وإلحاق أكبر الخسائر بالعدو الباغي المتغطرس دفاعا عن الحرية والكرامة والاستقلال والسيادة.

ويبقى العامل الحاسم في كل ذلك هو ما يستند إليه الشعب اليمني من حق مشروع وإيمان بعدالة قضيته وثقته بالله وتوكله عليه ويقينه بقدرته على الصمود والثبات وتغيير موازين القوى وفرض واقع جديد تكون فيه السيادة اليمنية مصانة والكرامة محفوظة.

وسيواصل شعبنا اليمني المجاهد العزيز مشواره الجهادي في مواجهة قوى الطاغوت والاستكبار العالمي معتمدا على الله واثقا بصدق وعده بالنصر والتمكين ومستمدا قوته من إيمانه بالله القادر على صنع المتغيرات وتغيير الموازين لصالح عباده المؤمنين.

قد يعجبك ايضا