مقاطع من اقصوصة

محمد القعود

البدوي..

هذا الاسم كانت لي معه ذكريات شقية ومؤلمة .. اقول كانت .. كانت ، .هاهاها .

وطيوف تلك الذكريات توقد من اوراق المنثورة..وتزيدها اشتعالات .

مبددة حلكة الايام والليالي..وراسمة آفاق من انتصارات عظيمه…!!

*

أبي كان مغتربا،وعلى شيئ من التعليم..

عاد من الغربة..وخوفا من قضايا الثأر والتعصبات وقضايا التحيزات الاجتماعية المورثة، وبعد فشله في نشر الوعي نظرا لجمود العقليات..اخذنا من القرية الى المدينة حيث اشترى لنا بيت متوسط الحال..وافتتح له محلا تجاريا في السوق،مناسبا له.

هذه المدينة بكل ما فيها من تناقضات الأمس، الا انها مدينة تبهر القادم اليها..شوارعها وازقتها ..جمال منازلها وفنون العمارة فيها..تتعدد الناس واتجاتهم واسلوب حياتهم البسيط والتفاهم والتسامح في تعاملهم وحياتهم.

حتى التعامل مع المستقبل كان الجميع ينظرون اليه نظرة أمل ستتحقق في ااقريب العاجل..وكم هو التمنى في تحديد مواقع المستقبل لهولاء رجال الغد وهم يعبرون عن امانيهم في المسقبل ..هذا تلميذا يقول انه سيكونا طيارا وذاك سيكون ظابطا، وسواه سيكون مهندسا وغيره سيكون دكتورا جامعيا وغيره طبيبا……

وعندما كانت هذه الاسئلة ماذا سيكون المرء في المستقبل..كان الجميع يجيب عليها.

اما انا فكانت اجابتي هي واحدة لا تتغير ..مدرس..!!

وهذه الاجابة كانت تجعل الجميع يكرون ويقهقهون ضحكا على هذه الامنية..وعلى طالب بدويا يريد ان يكون في المسقبل مدرسا شهيرا!!

وكان بعض التلاميذ ممن يجيدون الزبج يقولون تعليقا على امنيتي :

سيكون مدرسا للغنم والابل..سسكون مدرسا من طراز من

جديد!!

ويكرون ويقهقون حتى تمتلى عيونهم بالدعووووهم !!

**

ذات مرة كنا متجمعين معاً.. في فترة الراحة..مابين الحصص الدراسية..بعد الحصة الثالثة..

جاء حمود الوريصة، وهو يلهث قائلا لي امام مجموعة من طلاب الفصل و والمدرسة:

-ياسعد ياصاحبي..فيسع..فيسع..قم سير الى بيتكم..قالوا ابوك طعن امك تحت سرّتها.،!!

كان كلامه يتقاطر، مثل شظايا البرق.

ومن وقع الخبر المفجع والموجع لي..شعرت بصدمة ألم عنيفة..اعقبها صراخ يطلع مني وهستريا تتدفق عني وكلمات متقطعة كنشيج متواصل مني..ومشاعر معبرة عن حالة من الذهول والامعقول..وصوتي المختلط والمعجون بالفجيعة :ياووويلي..ياووويله..!!!

وفجاءة اجتمع الطلاب ..تكاثروا ..تحلقوا حولي دوائر ،دوائر..يريدون معرفة سبب صراخي الموجع..

وياللعجب كان شلة الصف الدراسي حقنا ، بعضهم، كانوا في حالة صمت مريب ..ويكتمون اشياءغريبة..

 

حتى الاستاذ محمود هب الى مكاني وهو في حالة ذعر وذهول..والم..وخوف علي..قال بلهفة:

مالك ياسعدياولدي..مابك ..

ماذاجرى لك..هدئ من روعك..

لاتخاف حفظك الرب…ماذا جرى..!؟

كنت في حالتي تلك لااستطيع فيها الكلام..ولاحتى الرد بكلمة..او بجملة لها معناها ..!!

ثم التف الى بعض التلاميذ محاولا معرفة الحقيقة

..حقيقة صراخي المؤلم…

وبصوت مرتجف تحدث الزميل قاسم ..قائلا:

قالوا ان ابيه قد قام بطعن أمه تحت سرتها..

واضاف :ومن قال هذا الكلام ونقله له هو الطالب حمود الوريصة..!!

وفجأة تغير وجه الاستاذ محمود..وانتابته حالة غضب شديدة..وعرف المعنى والمراد القبيح من الكلام المقصود!!

وبلمحة خاطفة امتدت يد الاستاذ محمود وعلق عنق محمود الوريصة..وصوت الاستاذ تصرخ:

ماهذا الكلام الوقح.. الكلام الاسود..

اجاب التلميذ بصوت ذابل مرتجف:

هم الخبرة..قالوا يشتوا نفعل مقلب يفجعه..!

قال الاستاذ بغضب: هكذا ..بهذا الكلام الوقح..ياقليل الادب!

وانهال عليه ضربا بعصى الخيزران..بينما التلميذ يعوي بالبكاء في موقف ذليل..

ثم قرص اذنه بعد ان وضع على شحمة اذنه حصى صغيرة..وضغط عليها عدة مرات…ثم سحبه خلفه الى ركن من المدرسه وهو يوبخه ويهدده باستدعاء ولي امره ان الامر تكرر، مرة ثانيه.

وعاد الي قائلا: هذا كلام اسود..وقلة ادب….

وتركني عائدا الى الادارة المدرسية..ولم اعرف ماذا يقصد!!

ولكن وبعد مرور الوقت عرفت غاية الكلام ومعناه…

وتممت ضاحكا:عليهم اللعنة…!!

****

*مقطع من اقصوصة لم تنشر.

قد يعجبك ايضا