التماسك الاقتصادي والنقدي في المناطق الحرة مقارنة بانهيار المحافظات المحتلة يؤكد حقيقة استراتيجية
الثورة / يحيى الربيعي
تتجاوز السياسات الاقتصادية المفروضة على المحافظات الواقعة تحت سيطرة قوى تحالف العدوان وأدواتها المحلية، مجرد سياق «الخطط الإصلاحية» المتعارف عليها، لتقف كاستراتيجية إخضاع ممنهجة تدار عبر أذرع النظام المالي العالمي المتمثلة بالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. إن التدقيق في جوهر هذه الاستراتيجيات يكشف بوضوح أنها صُممت أساساً لخدمة مصالح الشركات الاحتكارية العالمية على حساب الدول النامية، عبر تجريد الحكومات المحلية من أدوات حمايتها السيادية وفتح أسواقها ومقدراتها للاستباحة الخارجية تحت لافتة «تحرير الأسواق» و»إعادة الهيكلة». ويمثل المشهد اليمني في المناطق المحتلة اليوم التجسيد الأكثر مأساوية لهذه الوصفات القاتلة، حيث تحول المواطن هناك إلى الضحية المباشرة لانبطاح حكومة المرتزقة في عدن أمام الإملاءات الخارجية، مما أنتج انهياراً شاملاً للبنية المعيشية والاقتصادية.
جوهر الوصفات الدولية واستهداف الأسواق النامية
تثبت التجارب التاريخية والوقائع المعاصرة أن الاستراتيجيات التي يفرضها البنك الدولي لا تستهدف إحداث تنمية حقيقية، بل ترتكز على إدماج اقتصادات الدول النامية في حلقة مفرغة من التبعية للمراكز الرأسمالية العالمية. وتشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) إلى أن شروط المساعدات والقروض الدولية تقترن دائماً بتفكيك القطاع العام، وتقليص النفقات الاجتماعية، ورفع الدعم عن السلع الحيوية، وهي إجراءات تضمن من خلالها الشركات الاحتكارية عولمة الأسواق وضمان تدفق المواد الخام بأقل كلفة ممكنة.
وفي السياق اليمني، تم توظيف هذه الوصفات كأداة حرب اقتصادية مكملة للعدوان العسكري، حيث جرى تبني هذه السياسات من قبل حكومة عدن دون النظر لخصوصية وضع البلاد التي تعيش حالة حرب وحصار، مما أدى إلى تسليم القرار المالي والنقدي بالكامل لدوائر الوصاية الخارجية التي اشترطت تمرير ما يسمى «برنامج الإصلاح الاقتصادي الجديد» دون تقديم أي تعهدات مالية أو وادئع عاجلة تسند العملة المنهارة.
شرعنة النهب وتعميق الفشل المؤسسي
يتجلى الفشل المؤسسي لحكومة المرتزقة الموالية للتحالف في عجزها الفاضح عن حماية ثروات ومقدرات البلاد الواقعة تحت سيطرتها، بل وتحولها إلى مظلة لشرعنة نهب هذه الموارد وتجميد المنشآت السيادية. ووفقاً للبيانات والتقارير الصادرة عن قطاعات النفط والمعادن، فإن العائدات السيادية من صادرات النفط والغاز تم تعطيلها وتحويل مساراتها خارج الدورة الاقتصادية الوطنية، في وقت تُركت فيه المؤسسات الإيرادية الحيوية كالموانئ والمطارات تحت السيطرة المباشرة للقوى الخارجية.
وهذا التفريط الممنهج أفرغ الخزينة العامة من مصادر الدخل الحقيقية، ودفع بسلطات عدن نحو تغطية نفقاتها عبر خيارات كارثية قوامها الإفراط في طباعة العملة غير القانونية دون غطاء نقدي، والاعتماد المطلق على الاستدانة من البنك الدولي وفق شروط مجحفة صودرت بموجبها بقايا السيادة المالية، مما عمّق الانقسام النقدي وحرم المواطنين من ثروات بلادهم التي تذهب ريعها لتمويل الفساد المؤسسي للمرتزقة في عواصم الخارج.
هندسة انعدام الأمن الغذائي وسحق القدرة الشرائية
لقد تُرجم الالتزام الحرفي بشروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة إلى مقصلة حقيقية سحقت ما تبقى من قدرة شرائية للمواطنين، دافعة بملايين السكان نحو حافة انعدام الأمن الغذائي الحاد. وتؤكد مؤشرات برنامج الأغذية العالمي (WFP) لعام 2026م أن مستويات سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة الموالية لتحالف العدوان في عدن سجلت أرقاماً قياسية غير مسبوقة، نتيجة الانخفاض الحاد في معدلات الدخل الحقيقي وتآكل القيمة الشرائية للريال اليمني الذي شارف على الانهيار الكلي في أسواق تلك المحافظات بتجاوزه سقف 2000 ريال للدولار الواحد.
إن فرض شروط مثل “زيادة مرونة سعر الصرف” و”تحرير أسعار الوقود” و”رفع سعر الدولار الجمركي” مثل قرار إعدام جماعي للطبقات الفقيرة والمتوسطة، حيث تسببت هذه الإجراءات في إضعاف حركة الاستيراد وتوقف الأنشطة التجارية المحلية، مما جعل الحصول على لقمة العيش هماً يومياً يفوق طاقة السواد الأعظم من الأسر.
سعار الأسعار وخصخصة البقاء المعيشي
أفرزت مخرجات البرامج الاقتصادية الدولية في الواقع اليومي للمحافظات المحتلة حالة من “السعار” السعري التي طالت كافة تفاصيل الحياة المعيشية والخدمية دون استثناء. وتظهر التقارير الميدانية الراصدة لحركة الأسواق في عدن وحضرموت وتعز قفزات مهولة ومتسارعة في أسعار السلع الغذائية الأساسية كالدقيق والزيوت والأدوية، بالتزامن مع ارتفاع جنوني في كلفة الخدمات العامة التي جرى تجريدها من الدعم الحكومي تمهيداً لخصخصتها.
تعيش مدينة عدن والمناطق المجاورة لها أزمة خانقة في قطاع الكهرباء والمياه؛ حيث تحولت خدمة الطاقة إلى ترف يغيب عن منازل المواطنين لأكثر من 18 ساعة يومياً بسبب العجز الممنهج عن توفير وقود محطات التوليد، في حين ارتفعت أسعار صهاريج المياه والوقود إلى مستويات تفوق الدخل الشهري للموظف العادي بأضعاف كثيرة.
هذا التدهور الخدمي والمعيشي لا يأت كنتاج لصدفة، ولكنه يمثل نتيجة حتمية لسياسة إفراغ الوظيفة الاجتماعية للدولة والنزول عند رغبات المؤسسات الدولية الاحتكارية، ولا يهدف إلا لجعل تكلفة البقاء على قيد الحياة في تلك المناطق باهظة ومستحيلة، في ظل غياب كامل لأي معالجات أو شبكات أمان تخفف من حدة الكارثة الإنسانية المتفاقمة.
شواهد من واقع الارتهان والوصاية
تتجاوز المشاهد القادمة من عمق المحافظات المحتلة مجرد توصيفات التقارير الجافة، لتقدم شهادات حيّة ودامغة على حجم الجريمة المعيشية والإنسانية التي يقترفها تحالف العدوان وأدواته بحق أبناء الشعب اليمني، حيث نقلت وسائل إعلام محلية وإقليمية، ومنها صحيفة “عدن الغد” وراديو “لنا” المحلي، شهادات مريرة لمواطنين وأرباب أسر في مدينة عدن يصفون فيها العيش في ظل الانهيار الاقتصادي الحالي بأنه “رحلة يومية نحو الموت البطيء”؛ حيث أكد رب أسرة يقطن في مديرية الشيخ عثمان أنه بات عاجزاً عن توفير وجبة طعام متكاملة لقرابة سبعة أفراد من عائلته، مكتفياً بشراء الخبز الجاف والشاي، بعد أن تجاوز سعر الكيس الواحد من الدقيق سقفاً لا يغطيه راتبه الشهري الذي فقد أكثر من 80% من قيمته الفعلية. هذا الانسحاق الاقتصادي يترجم ميدانياً إلى بلوغ الأسر حد المجاعة الصامتة، وانخفاض القوة الشرائية إلى مستويات انعدمت معها القدرة على تأمين العلاج والدواء للحالات المزمنة، مما يشكل إدانة مباشرة لسياسات التجويع والإفقار التي تنتهجها حكومة المرتزقة تلبية للإملاءات الدولية.
وفي الجانب الخدمي، تبرز معاناة انقطاع التيار الكهربائي كأبرز شواهد التعذيب الجماعي الممنهج ضد السكان؛ إذ توثق تقارير الناشطين والمنظمات الحقوقية في حضرموت وعدن حالات إغماء ووفيات متزايدة بين كبار السن ومرضى الجهاز التنفسي والسكري نتيجة الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة وتجاوز ساعات الإطفاء حاجز 18 ساعة يومياً. وتشير مراسلات ميدانية بثتها القنوات الإخبارية العربية إلى أن عائلات بأكملها باتت تقضي ليلها في الشوارع أو على أسطح المنازل بحثاً عن نسمة هواء، في حين تفرض الشركات الخاصة لبيع المياه الصالحة للشرب (وايتات الماء) أسعاراً فلكية مستغلة غياب شبكات المياه الحكومية وتوقف المضخات، ما جعل الحصول على شربة ماء نقية عبئاً مالياً إضافياً يهدد مدخولات الأسر المعدمة. إن هذه المعاناة اليومية والارتداد النفسي والجسدي الكارثي على المواطنين، يفضحان زيف ادعاءات الاستقرار والرفاه التي تروج لها أدوات الاحتلال، ويثبتان بالدليل القاطع أن العبث بمقدرات اليمن وثرواته لا ينتج عنه سوى هذا السعار المعيشي والخدمي، الذي لن يتوقف إلا باستعادة السيادة الوطنية الكاملة على الأرض والثروة والقرار.
