في مشهد يعكس أبهى صور النفاق الدولي والازدواجية الغربية الفاضحة، يواصل المجتمع الدولي – وعلى رأسه أمريكا وأدواتها في الأمم المتحدة – ممارسة ألعاب التضليل الممنهجة، عبر محاولة تلميع دور المعتدي وإلباسه ثوب الوسيط النزيه، بينما تغض المؤسسات الدولية عينها عن جرائم الحرب والعدوان والحصار الخانق الذي يقتل الشعب اليمني بصمت، هذا التواطؤ المريب يكشف أن الضمير الدولي ليس سوى سلعة تباع وتشترى، وأن معايير حقوق الإنسان مجرد ذريعة لتمرير الأجندات، لا أداة لتحقيق العدالة.
منذ اندلاع العدوان السعودي الأمريكي على اليمن، ظلّت مسألة توصيف الأدوار واحدة من أكثر القضايا حسماً في مسار الصراع، إذ إن التلاعب بتحديد موقع أي طرف يمثل مؤامرة سياسية تهدف إلى إعادة إنتاج الأزمة وتكريس التبعية، وفي هذا السياق، تضع صنعاء النقاط على الحروف وتفضح التمويه الإقليمي، مؤكدة أن السعودية ليست طرفاً محايداً ولا وسيطاً بين اليمنيين، بل هي رأس الحربة في العدوان، والشريك الأساسي في الإبادة الجماعية والحصار الجائر، وأن أي مقاربة سياسية تتجاهل هذه الحقيقة القاطعة مؤامرة مكشوفة لإعادة تدوير الصراع وإضفاء الشرعية على الاحتلال.
فالسعودية كانت – ولا تزال – في قلب المعركة، تمول وتسلح وتقصف وتغلق المنافذ وتخنق الشعب، وهي المسؤول الأول عن المأساة الإنسانية والاقتصادية في اليمن. أوضاع المنافذ وحركة التجارة والسفر والموارد، كأدوات ضغط بيد المعتدي، لا يمكن فصلها عن إرادة الرياض وموقفها العدائي، الأمر الذي يجعل تقديم هذا النظام الحاقد بصورة الوسيط استخفاف بعقول اليمنيين، واستفزاز سافر لشعب بأكمله، وتمييع حقير للحقائق وسرقة للحقوق التاريخية للشعب اليمني في تقرير مصيره.
في الأعراف السياسية والقانونية، تقوم الوساطة على الحياد والوقوف على مسافة واحدة من أطراف النزاع، أما عندما يكون الطرف هو صانع الأزمة، والمنخرط في القتل والحصار، ويمتلك أدوات التأثير العسكري والاقتصادي المباشرة، فإن ادعاء وساطته يعد استهزاءً بالمنطق وضحكاً على الذقون.
إن التعامل مع السعودية كوسيط يمثل خيانة فاضحة للحقيقة، ويمنح المعتدي موقعاً سياسياً لا يتوافق مع دموية مشاركته في الحرب، هي محاولة لغسل العار عن وجه من دمروا اليمن سنوات وسنين، ومحاولة اختزال الأزمة في إطار داخلي أو تقديم طرف الصراع الأساسي بثوب الوسيط، تمثل معالجة سطحية تغذي الجذور السرطانية للأزمة، والخطوة الأولى نحو أي مسار سياسي جاد تبدأ من كسر هذه الدائرة المريضة من النفاق، والاعتراف بحقيقة الأدوار من دون لف أو دوران.
السلام الحقيقي لا يُبنى على أوهام سياسية أو أكاذيب دبلوماسية، ولا يصنع على أنقاض الدماء اليمنية وفي ظل تواطؤ دولي صارخ، السلام العادل يتطلب مواجهة الحقائق المجردة، وتحميل كل طرف مسؤوليته الجنائية، وفضح المتآمرين الذين يلبسون الباطل ثوب الحق.
إن اعتبار السعودية طرفاً معتدياً وليس وسيطاً، يمثل نقطة انطلاق ضرورية وحاسمة لكشف زيف النفاق الدولي وكسر وصاية المحتلين، فبناء سلام مستدام يتطلب كسر الإرادة الخارجية المعتدية، وفضح الانحياز الغربي الأعمى، والذهاب إلى تسوية تحفظ لليمن سيادته الكاملة وقراره المستقل، وتنتزع حقوقه من بين أنياب الذئاب البشرية التي تدّعي السلام وهي تغتال الأطفال وتحاصر النساء وتسرق ثروات الوطن.
