لا يناقش هذا المقال في المباني الفكرية والنظرية التي ميزت روّى الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، إنما يضيء على إسهاماته المباشرة و”العملية” في مسار النهوض والاستنهاض الذي عشناه معه في صناعة الأمل ومواجهة الطغيان. وأيّ دور استثنائي كان لهذا العالم الفقيه في قيادة هذا التحوّل التاريخي في مرحلة تعتبر الأعقد والأكثر تركيباً في تاريخ المنطقة بل والعالم، فنجح أن أعلى من مكانة المستضعفين وشأنهم ووطد كلمتهم وخصوصاً منهم أولئك المتصدّين لهذا المعروف (مواجهة الظلم) وفي مقدمهم شعوب المقاومة.
شكل نهج الإمام الشهيد استمراراً أصيلاً لما أسّسه مفجر الثورة الإسلامية الإمام الخميني، فقاد بثقة مسار التطوير والتكييف لمقاربات المؤسّس ودفعها قدُماً فظهرها في حيّز الخارج أيّ الحيّز الحسّي والنموذج العملي. فقاد سماحته روية تجذير وتظهير في آن داخلياً وخارجياً، ففي الداخل ركز جهده لبناء نموذج السيادة والاستقلال والاقتدار، وفي الخارج ركز جهده في وحدة الأمة وتقاربها وفلسطين والقدس وواقعية تحريرها. وأسهم على هذا الصعيد في إنتاج أدبيات بل وبرمجيات ذهنية ونفسية فردية وعامة في عموم المجتمعات المستضعفة ومسارات عملية لبناء القدرة واكتشاف الذات وقطع يد قوى الهيمنة عن المنطقة، لقد اعتبر هذه الرؤى وتطبيقها أنها الترجمة العملية لصلاة الأمة وروح عبادتها.
لم يستغرق ككثيرين من العلماء والبحاثة في محاججات الاعتقادات رغم جدة آرائه وعمق طروحاته بل ركز الجهد على ما هو عملي يمكن للأمة من خلاله أن تكتشف سبيلها لمعرفة الحق العملي والوقوف إلى جنبه والتزامه، وبهذا- أيّ بالسلوك السياسي الصحيح- يمكن للأمة والمستضعفين تلمّس مقاصد دعوة الأنبياء الذين كان جلّ سعيهم تعريف الأمة بالحق وسبيل التزامه.
بالنسبة إليه، إنّ كلّ عبادة أو فريضة لا ترقى لتكون عبادة لله تعالى إلا إذا كانت خارج قدرة الطاغية وسلطانه وسيطرته. والفتنة في هذا المقام أنّ كثيراً من الناس لا يرى القيد قيداً إذا كان من ذهب أو مُذهّباً، وطغاة هذا الزمن أصابوا في تقديم قيدهم بشكل منمّق أو يطلونه بالذهب، وهذا أخطر تحديات عالمنا اليوم.
لذلك كان أول فعله دفع الأمة والمجتمع للتحرّر الفعلي وعدم الركون للظالم أيّ أمريكا والارتباط بمعدن القدرة الإلهية وتأهيل المجتمع وتمكينه أن يتبصّر الحق بحيث يصبح المجتمع قادراً على التشخيص السليم فيميّز بين الباطل والحق وينتصر للأخير.
أما نهج الاقتدار وثقافة “إنّا قادرون” فكانت خطوته التالية، فإنّ أولى مشكلات الأمة واخطرها هي في ذلك الخوف، الخوف الذي تحوّل لما يشبه الرهاب حتى غدت رؤية الذات تتمّ من خلال الخارج فصارت أسرى لمنطق الضعف والتبعية فلا مستقبل إلا بالالتحاق بالغير بدلاً من الغوص العميق في استكناه الذات وإمكاناتها الكبيرة، فأطلق ورعى سماحة الشهيد الأقدس مسارات متوازية على الصعد العلمية والفكرية والاجتماعية والسياسية بروح ثورية جهادية وهنا الأهم أيّ الجهادية. فربط الأعمال كلها بالجهاد يضفي عليها المعنى المتميّز فإنّ كلّ جهد فردي وجماعي صار في سبيل غاية كبرى وقضية سامية لخدمة الإسلام والمستضعفين وكسر شوكة الطغاة والمستكبرين الظالمين أيّ أميركا وأنظمة الغرب والكيان الصهيوني. وقد حقق ما أراد بأن أرانا بالملموس أننا قادرون فعلاً وانّ الفجوة الموجودة في مجالات معينة مع الغرب كالعلوم التطبيقية والمادية يمكن ردمها بالثقة بالنفس والشعب والله تعالى وبالارتكاز إلى أن البعد المعنوي والأخلاقي الذي هو رصيد كبير نتفوّق به على الحضارة الغربية.
حمل هم الأمة ككلّ دون تفكيك أو تمييز أو عصبية، وأدّعي أنه أهمّ من قدّم تصوّراً نظرياً وعملياً لمقاربة “وحدة الأمة” وربما لم يجرؤ أحد أن يقول ما قاله بحق التشيع البريطاني فيعتبره الوجه الآخر للتطرف والإرهاب الداعشي.
ويدعم المقاومين دون أيّ تأخر أو تمييز في العراق ولبنان وفلسطين واليمن (كلّ بحسب ظروفه). ولم يتمكّن أحد أن يحدّد مسار نهضتها ويضع خارطة طريق لدرجة يمكن القول إنه كان بحق مهندس حركة الاستنهاض الإسلامية بل والعالمية وهذا ما يظهر تباعاً…
أما عن قوة النموذج، نحن نتحدث عن شخصية ألهمت عشرات الملايين في عالمنا العربي والإسلامي والأوسع فكان رمزهم الذي رأوا أنفسهم فيه ومن خلاله، ولم تأت قوة نموذجه من كونه سلطاناً أو جامع ثروات أو أنه على رأس مؤسسة إنما من قوة نفسه وسلطان علمه وملكاته الكثيرة أولا، فكان نموذجاً تطبيقياً لقادة المسلمين الأوائل. وكان من قوة نفسه أن هندس حتى طريقة موته فحوّل الموت ليس إلى نهاية بل إلى فعل إحياء استمراراً لحياته وأفعاله الاستنهاضية، فاختار الرحيل بالشهادة ليكون بموته كما بحياته للأمة والبشرية جمعاء محطة دفع واستنهاض فصفع بدمه أئمة الكفر وتحوّلت دماؤه إلى قوة جارفة ساهمت في الإنجاز الكبير مما تفاجأ به العالم بالأمس عندما وقفت إيران بشموخ وتحدّ وأسقطت أهداف أمريكا وفرضت نفسها كلاعب دولي وأعادت استيلاد نفسها وتصليبه كنموذج أكثر تماسكاً وقوة وشجاعة وأقلّ خشية من أيّ وقت مضى على خوض المنازلة العسكرية المباشرة مع أميركا والانتصار فيها. ففتحت بذلك نافذة كبيرة للأمة وشعوبها بالقدرة والإمكانية!
أما عن خطابه، فقد تميّز أسلوبه بالأمثلة الحسية على طريقة ما وصلنا في كتاب الله عن عيسى بن مريم ع، وكان هذا الأسلوب المقرون بالأمثلة وحِكم الدهر وتجارب الأمم وما تكتنزه بعض الثقافات، كان لهذا الخطاب أثره الكبير جداً في الأجيال التي سئمت الجور وانعدام العدالة واستعلاء الخارج حيث وصل إلى أعماقهم وضخ فيهم روحاً ثورية دون انفعالية، كما كانت له في مسألة الخطابة مقارباته الخاصة والمتميّزة لمختلف القضايا كان منها أن صكّ مفردات ومصطلحات ولم يتهاون باستعارتها من الآخرين فكان يريدها مؤصّلة متميّزة عن أدبيات الغرب وفي الآن ذاته تحاكي نمط وعقلية أجيال اليوم وطريقة نوالهم للمعرفة. لو تنظر كيف قدّم قيمة الشهادة، وكيف قدّم مصطلح غرب آسيا والخليج الإسلامي، وكيف قدّم مصطلح المقرات الثقافية، وكيف قدّم مصطلح الاقتدار، وكيف قدّم نظرية المقاومة والثورة والعقلانية، ومصطلح جهاد التبيين الذي شكل ثورة فكرية وعملية وعشرات الأمثلة غيرها.
ومن أبرز ما عمل لأجله وتمكّن من دفعه قدُماً مسألتا الشعب والمرأة كقضيتين طالما وقعت التجارب المختلفة بين حدّي الإفراط والتفريط في مقاربتهما، فأعطى للشعب كله وكان مركز ثقل اهتماماته وقد يستوقف القارئ والمراقب الموضوعي عمق تخصيبه وتأصيله لنظرية حكومة الشعب الدينية ومكانة الشعب الأصيلة فيها باعتبارها ثورة في علم الاجتماع، فقدّم بثبات وعلى مدى عقود نموذج متميّز لمعنى وفلسفة دور الشعب وواجباته ونضج معنى حضور الشعب ومحوريته دون الوقوع في فلسفة الديمقراطية بمعناها الغربي، وثبت بعد سبعة وأربعين عاماً أنه رغم اكبر حصار مورس على بلد في العالم أنه بنى مجتمعاً نشطاً حياً محباً شجاعاً مبدعاً فخوراً بنفسه عاشقاً للتحدي طموحاً ويحمل رسالة وقضايا كبرى، مجتمعاً مشاركاً بقوة وحماية لا متفرّجاً او سطحياً يستغرق في القشور وسفاسف الأمور…
أما المرأة التي أولاها اهتماماً كبيراً وخاصاً فهي التي ظلِمت من الغرب كما من الشرق ومن تجارب إسلامية عديدة. فلم يقتصر دوره في طرح الرؤية نظرياً بل في تسييلها لأكثر من 4 عقود في واقع المجتمع، فكنا أمام نموذج مختلف لحضور المرأة وفاعليتها وتأثيرها وتنوّع ميادين عملها وحرية عملها دون الوقوع في الانفعال وعقدة إثبات الذات والحرية.
بعد شهادته وخلال مراقبتي الشاشات للقنوات العالمية في تشييعه التاريخي، صرت أكثر إيماناً بأنّ كلّ أهدافه التي عمل عليها ستتحقق ولن تضعف كما توهّم البعض بل توهّجت بدمه أكثر، فكلمته ونداؤه يعلو أكثر وفلسطين تراها أقرب رغم محاولات إيهام الأعداء عكس ذاك والأمة بشجاعة شعبه وتحدّيهم لأكبر ظالم في التاريخ أيّ الولايات للمتحدة خرجت من سباتها ولو بكلفة عالية كان دمه ودم أخيه السيد نصرالله الأغلى على الإطلاق ومعهم عشرات القادة من غزة إلى كلّ الساحات…
