ليس السلاح في التاريخ الإسلامي هو البداية، بل الفكرة. وليس الجهاد أولاً حركةَ عضلٍ وحديد، بل حركةَ وعيٍ وبصيرةٍ تسبق الغضب وتضبطه، وتمنح الفعل معناه وحدوده ووجهته. ومن هنا تتجلى ثورة الإمام زيد بن علي عليه السلام بوصفها نموذجاً بالغ الدلالة: ثورة لم تنطلق من نزعة انتقام، ولا من رغبة في مجدٍ شخصي، بل من إدراكٍ عميق بأن الأمة التي تصالح الظلم تفقد قلبها قبل أرضها، وأن الصمت على الانحراف يفتح باب السقوط، ولو بقيت الشعارات عالية.
في شخصية الإمام زيد عليه السلام يلتقي العلم بالشجاعة، والفقه بالموقف، والبصيرة بالفعل. فهو لم يكن ثائراً بالمعنى الانفعالي، بل كان صاحب مشروعٍ أخلاقيٍّ وسياسيٍّ يردّ الدين إلى وظيفته الكبرى: تحرير الإنسان من العبودية لغير الله، وصون المجتمع من تغوّل السلطان الجائر. ولهذا لم تكن ثورته صرخة عابرة في ليلٍ سياسي كثيف، بل كانت إعلاناً بأن الحق لا يُطلب بالرجاء وحده، وأن العدالة لا تُستجدى من يدِ الظلم، وإنما تُنتزع من خلال الوعي والتنظيم والالتزام. وفي هذا المعنى تتجاوز الثورة حدَّها التاريخي لتصير درساً دائماً في كيفية اجتماع الفكرة والموقف، الكلمة والبندقية، العلم والتضحية.
وإذا كانت ثورة الإمام زيد عليه السلام قد وُلدت في سياق الاستبداد الأموي، فإن اليمنيين اليوم يعيشون، في صورتهم الأوسع، تحت وطأة محنةٍ طويلةٍ اختلط فيها العدوان الخارجي بالحصار، والهيمنة العسكرية بمحاولات كسر الإرادة الوطنية. ومع ذلك، لم يكن صمود اليمنيين مجرد رد فعل غريزي على الألم، بل تحوّل في كثير من لحظاته إلى **وعي مقاوم**؛ وعي يدرك أن الدفاع عن الأرض بلا بصيرة قد يبدد التضحيات، وأن الوعي بلا قوة يحوّله الآخرون إلى حنينٍ عاجز. هنا بالضبط تتجلى قيمة التلازم بين البصيرة والجهاد: فالأولى تمنع السلاح من الانحراف، والثاني يمنع الوعي من الذوبان.
إن أخطر ما يواجه الأمم في أزمنة الصراع ليس العدو الخارجي وحده، بل فقدانها القدرة على قراءة ذاتها. فحين تنطفئ البصيرة، يصبح الجهاد فوضى، وتتحول المقاومة إلى ردود أفعال متفرقة، ويتكاثر الضجيج بينما يتراجع المعنى. أما حين تشتعل البصيرة، فإن الجهاد يصبح فعلاً منظماً، أخلاقياً، يزن القوة بميزان المسؤولية. وهذا ما نقرأه في سيرة الإمام زيد عليه السلام: فقد كانت حركته السياسية امتداداً لموقف معرفي وأخلاقي، لا خروجاً على الجماعة بمعنى العبث، بل خروجاً على الظلم بمعنى استعادة الجماعة من قبضة الانحراف.
واليمنيون، وهم يواجهون سنواتٍ قاسية من الحصار والعدوان والتجويع، لم يكتفوا بإرادة البقاء، بل أظهروا قابلية عالية لتحويل الألم إلى معنى. في القرى والمدن، في الجبهات والبيوت، في المدارس والجامعات والأسواق، تشكلت صورةٌ لافتة عن شعبٍ لم يسمح للمعاناة أن تسرق منه بوصلته. هذا الصمود ليس مجرد صبرٍ سلبي، بل هو شكل من أشكال الجهاد حين يكون مصحوباً بالوعي: وعي بالهوية، ووعي بالعدو، ووعي بالمستقبل، ووعي بأن الأمم لا تعيش بما يُفرض عليها، بل بما تختاره لنفسها من طريق.
ولأن الثقافة هي حارس المعنى، فإن استحضار الإمام زيد عليه السلام في اليمن اليوم لا ينبغي أن يُختزل في الذكرى أو الخطب الموسمية، بل يجب أن يتحول إلى بناءٍ فكريٍّ يفسر للناس لماذا يصبح الحق أحياناً مكلفاً، ولماذا لا يمكن أن تقوم كرامة بلا تضحية. فثورة الإمام زيد عليه السلام تعلمنا أن الوعي ليس ترفاً، وأن الشجاعة بلا فكر قد تصير تهوراً، وأن الفكر بلا استعداد للدفاع قد يصير زينةً لغوية لا تؤثر في التاريخ. من هنا، فإن “البصيرة والجهاد” ليستا كلمتين متجاورتين في عنوانٍ أدبي، بل هما قانونٌ في حركة الأمم حين تريد أن تنهض من تحت الركام.
إن اليمني اليوم، وهو يكتب يومه تحت ضغط الحصار وقلق المستقبل، يحتاج إلى استعادة هذا القانون: أن يفكر قبل أن يندفع، وأن يقاتل حين يجب القتال، وأن يصبر حين يكون الصبر حكمة، وأن يرفض الانكسار حين يُراد له أن يعتاد الهزيمة. هذه المعادلة الدقيقة هي ما يجعل صموده ذا بعدٍ حضاري، لا مجرد نَفَسٍ عاطفي. فالصمود الحقيقي لا يعني فقط احتمال الألم، بل يعني الحفاظ على المعنى في قلب الألم. وهنا تلتقي اليمن مع زيد: كلاهما يعلّم أن الجسد قد يُرهق، لكن الفكرة إذا صحت لا تنهزم.
ولعل أجمل ما في هذا التلازم أن البصيرة ليست نقيض الجهاد، بل شرطه الأول. والجهاد ليس نفيًا للعقل، بل اختبارٌ لصدق العقل حين يتحول إلى موقف. فحين يعي الإنسان أن عدوه ليس فقط من يحمل السلاح في وجهه، بل من يسعى إلى تفكيك إرادته وذاكرته وكرامته، عندها يصبح الدفاع عن الهوية والدين والوطن جزءاً من العبادة، وجزءاً من الأخلاق، وجزءاً من صناعة المستقبل. وهذا هو الدرس الأعمق الذي يتركه الإمام زيد عليه السلام في وجدان اليمنيين: أن الحق إذا لم يحمه أهله، صار مادةً في يد المتسلطين، وأن البصيرة إذا لم تتلبسها التضحية، تحولت إلى خطابٍ جميل بلا أثر.
إننا حين نقرأ ثورة الإمام زيد وصمود اليمنيين في ضوء واحد، نكتشف أن التاريخ ليس ماضياً منفصلاً، بل مرآة تردّ إلينا صورنا حين نكون في لحظة امتحان. فثورة الإمام زيد تقول لليمنيين: لا تجعلوا مقاومتكم رد فعلٍ عابر، بل اجعلوها مشروعاً أخلاقياً. وصمود اليمنيين يردّ على الإمام زيد في الزمن الحاضر: ما زال في الأمة من يفهم أن الوعي يحرس السلاح، وأن السلاح إن لم يكن في خدمة الحق فقد خان نفسه. وبين القولين تتأسس هويةٌ مقاومة، لا تقدس العنف، لكنها لا تساوم على الكرامة.
وهكذا، فإن “البصيرة والجهاد” ليستا شعاراً بل رؤيةً كاملة: أن تعرف لماذا تقف، وكيف تقف، ومتى تصبر، ومتى تدفع الثمن، وماذا تريد للأجيال القادمة. وهذه هي الرسالة التي تحتاجها اليمن اليوم أكثر من أي وقت مضى: أن تنتصر للمعنى قبل الصورة، وللوعي قبل الضجيج، وللكرامة قبل الحسابات الصغيرة. فالأمم التي تعرف كيف تُحوّل الجراح إلى وعي، والتحديات إلى موقف، هي الأمم التي تكتب اسمها في سجل التاريخ لا كضحيةٍ فقط، بل كصانعةٍ للدرس.
