الثورة نت/
لم تعد الخيام في قطاع غزة ملاذًا يحتمي فيه النازحون من ويلات الحرب، بل تحولت إلى بؤر مفتوحة للأمراض الجلدية، حيث يتفشى الجدري المائي والجرب والتقمل بين آلاف العائلات في ظل انهيار البيئة الصحية، وشح المياه النظيفة، وانعدام الأدوية. ومع ارتفاع درجات الحرارة واستمرار الاكتظاظ، تتسع رقعة العدوى يومًا بعد آخر، لتضيف معاناة جديدة إلى حياة أنهكها النزوح والجوع والحصار.
داخل خيمة متواضعة في مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، تراقب شيماء أبو عربية (43 عامًا) أطفالها الخمسة وهم يقضون لياليهم بين الحكة والألم، بعدما أصيبوا جميعًا بجدري الماء، بينما انتشر القمل بين جميع أفراد الأسرة في مشهد تقول إنها لم تعرف له مثيلًا من قبل.
وتروي شيما لـ وكالة (شهاب) الفلسطينية، أن الطفح الجلدي لم يعد مجرد بثور عابرة، بل تحول لدى بعض أطفالها إلى التهابات شديدة خلّفت آثارًا مؤلمة على أجسادهم، مضيفة أن لياليهم أصبحت تمر بلا نوم، بعدما بات الأطفال يحكون أجسادهم باستمرار حتى تنزف في بعض الأحيان.
وتؤكد أن محاولات الحفاظ على النظافة لم تعد مجدية في ظل انعدام المياه، إذ تضطر الأسرة إلى الاستحمام في مياه البحر بشكل شبه يومي، لكنها ترى أن ذلك لم يمنع انتشار العدوى، بل زاد شعورها بالعجز أمام مرض يتسلل إلى الجميع.
وحين لجأت إلى المراكز الطبية بحثًا عن العلاج، اصطدمت بواقع أكثر قسوة؛ إذ لم تجد سوى كميات محدودة من الأدوية، لا تكفي لعلاج طفل واحد، بينما يحتاج جميع أفراد أسرتها إلى العلاج.
ولا تبدو مأساة عائلة شيماء حالة استثنائية، فالمشهد ذاته يتكرر في عشرات مخيمات النزوح المنتشرة في أنحاء قطاع غزة، حيث تحولت الخيام المكتظة، مع الحر الشديد ونقص المياه وتدهور خدمات الصرف الصحي، إلى بيئة مثالية لانتشار الأمراض الجلدية المعدية، خصوصًا بين الأطفال.
وقبل نحو شهر، حذرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من اقتراب أزمة صحية جديدة في قطاع غزة، مؤكدة أن ارتفاع درجات الحرارة، والاكتظاظ، وشح المياه النظيفة، وتراجع الخدمات الصحية، كلها عوامل تدفع نحو تفشٍ واسع للجرب والجدري المائي وأمراض جلدية أخرى، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية نقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات الطبية.
وتعكس الأرقام حجم الأزمة المتفاقمة، إذ رصدت الطواقم الطبية نحو 9300 إصابة بأمراض جلدية معدية، بينها الجدري المائي والجرب والتقمل، خلال الأسبوعين الماضيين فقط، عبر 130 مركزًا صحيًا، في مؤشر على اتساع رقعة العدوى داخل مخيمات النزوح ومراكز الإيواء.
ومع استمرار الحرب، وغياب المياه النظيفة، وتآكل قدرة القطاع الصحي على الاستجابة، لا تبدو الأمراض الجلدية سوى فصل جديد من فصول الكارثة الإنسانية في غزة.
فبين خيام النزوح، لم تعد المعاناة تقتصر على القصف والجوع، بل امتدت إلى أجساد الأطفال والنازحين، في وقت يحذر فيه مختصون من أن ما يجري اليوم قد يكون مجرد بداية لموجة صحية أشد خطورة، ما لم يُتخذ تحرك عاجل لوقف الانهيار وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة والرعاية الطبية.
