أمريكا تُصعّد حصارها على كوبا.. ضغوط اقتصادية وتهديدات عسكرية تخالف القانون الدولي

الثورة نت/..

يستمر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في حملة ضغوط وتهديدات غير مسبوقة ضد كوبا، تتجاوز في شدتها ونطاقها كل ما سبقها من عقوبات أمريكية منذ ستة عقود.

فمن الحصار الاقتصادي الخانق الذي يُفاقم من معاناة الشعب الكوبي ويُسعى لتأجيجه ضد نظامه السياسي، مروراً بالتهديدات الصريحة والفجة بالغزو والعدوان العسكري، وصولاً إلى فرض حوار قسري استعلائي على هافانا تحت وطأة الضغط والخنق في الآن نفسه- كلها خطوات تُشكّل أدوات وآليات متدرجة في استراتيجية أمريكية واضحة الهدف: تغيير النظام في كوبا.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي تسعى إليه إدارة ترامب العدوانية بالفعل من وراء هذه الحملة المتصاعدة؟ هل هي مجرد سياسة عقوبات تقليدية تهدف إلى تعديل سلوك الحكومة الكوبية تجاه واشنطن، أم أنها مقدمة لخطوات أكثر خطورة تتجاوز حدود القانون الدولي وتُعيد إنتاج سيناريوهات التدخل العسكري التي دمّرت دولاً أخرى، وكرّست من حضور أمريكا كفاشية؟

 

في ظلّ تصاعد التوتر، وإصدار ترامب أوامر تنفيذية تُوسّع الحصار لتشمل عقوبات ثانوية تستهدف كيانات أجنبية تتعامل مع كوبا، وتهديداته المتكررة بـ”حلّ عسكري”، يبدو أن واشنطن لا تكتفي بمحاصرة هافانا اقتصادياً، بل تسعى إلى إسقاطها بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. فهل يُعدّ هذا التصعيد مقدمة لعمل عسكري مباشر، أم أنه مجرد ورقة ضغط في لعبة جيو-سياسية أوسع؟

 

وماذا وراء اتهام واشنطن للزعيم الكوبي السابق راؤول كاسترو بجرائم قتل والتآمر في قضية إسقاط طائرتين عام 1996؟ وهي الخطوة التي رأها كثيرون ذريعة محتملة لتصعيد عسكري جديد تحت إدارة ترامب، أو تبريرا لأي خطوة غير قانونية قد تقوم بها واشنطن.

 

وفقاً لخبراء القانون الدولي في جامعة ريدنغ البريطانية، فإن الحملة الأمريكية لحرمان كوبا من مصدرها الأساسي للطاقة بهدف إسقاط حكومتها تمثل “أوضح مثال على التدخل غير المشروع في الشؤون الداخلية لدولة أخرى”، كما أن التصريحات المتكررة للرئيس ترامب بشأن عمل عسكري محتمل تشكل تهديدات باستخدام القوة محظورة بموجب ميثاق الأمم المتحدة.

 

وقد أدان خبراء الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الأمر التنفيذي الأمريكي (14380) الصادر في 29 يناير 2026، واصفين إياه بأنه “انتهاك خطير للقانون الدولي” و”شكل متطرف من الإكراه الاقتصادي أحادي الجانب” يستهدف إجبار دول ذات سيادة على تغيير علاقاتها التجارية الشرعية.

في مايو 2026، وسَّعت الإدارة الأمريكية العقوبات عبر الأمر التنفيذي 14404 ليشمل عقوبات ثانوية تستهدف كيانات أجنبية تتعامل مع كوبا، بما في ذلك المؤسسات المالية الأجنبية، مما يُعد توسيعاً غير مسبوق للحصار الاقتصادي.

إزاء ذلك التصعيد الأمريكي، أكّد وزير الخارجية الكوبي، برونو رودريغيز، أن الحكومة الأمريكية تواصل اتخاذ إجراءات تهدف إلى تشديد الحصار على الاقتصاد الكوبي، رغم قدرة بلاده على الصمود ومواجهة الضغوط الاقتصادية والعقوبات المفروضة عليها.

وأضاف رودريغيز، في تدوينة على منصة إكس، أن كوبا أثبتت أنها أكثر قوة وقدرة وفعالية مما كانت تتوقعه واشنطن في مواجهة “العدوان الوحشي والعقاب الجماعي” المفروض على الشعب الكوبي وظروفه المعيشية.

 

وانتقد وزير الخارجية الكوبي سياسة الولايات المتحدة تجاه بلاده، معتبرًا أن الإجراءات التي يدفع إليها وزير الخارجية الأمريكي تمثل “جريمة” تُرتكب من موقع النفوذ الذي تتمتع به الولايات المتحدة باعتبارها أكبر قوة في العالم.

 

وتأتي هذه التصريحات في ظل سعي واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية أو إضعافها، فيما تؤكّد هافانا أنّ ترامب يسعى إلى الاستيلاء على البلاد ومواردها وممتلكاتها، وخنق اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود.

أكاذيب ومغالطات روبيو

وفي وقت سابق، انتقد وزير الخارجية الكوبي، أكاذيب وزير الخارجية الأمريكي، مارك روبيو، التي يحاول من خلالها تبرير العدوان على كوبا والحصار الأمريكي ذو الطابع العسكري.

وقال رودريغيز، في تدوينة على منصة “اكس”، : “عندما يتحدث وزير الخارجية الأمريكي عن عدم الكفاءة في كوبا، ينبغي أن يُسأل لماذا يكذب بصورة مزمّنة ويتناقض مع رئيسه ومتحدثته الرسمية، منكرًا وجود الحصار الكامل على الوقود الذي يعترف به البيت الأبيض نفسه”.

وأضاف: “إذا كان الأمر يتعلق بعدم الكفاءة، فلماذا يفرضون الحصار النفطي والعقوبات الثانوية؟، ففي كل مرة يتحدث فيها عن الوضع في بلادنا، يحاول التهرب من أي مسؤولية وتقديم نفسه في صورة المنقذ”.

ودعا الوزير الكوبي العالم للتنبه إلى هذه المغالطات، بالقول: “لكن انتبهوا: إنه حصار شامل، يشبه إلى حد كبير حصارًا ذا طابع عسكري، وفي الوقت نفسه، يدعو بشكل علني إلى تقويض النظام الدستوري الكوبي، ويسعى بإصرار إلى دفع أمريكا نحو تدخل عسكري في كوبا”.

 

وأوضح أن “خطة الخنق الاقتصادي التي تنتهجها واشنطن ضد كوبا تتضمن منع الشركات الأجنبية من بيع قطع الغيار أو التقنيات اللازمة لمحطات الطاقة الحرارية الكوبية”.

 

وتابع: “كما تمنع أي شركة في العالم من بيع النفط لبلادنا، وتفرض عقوبات على شركة CUPET الكوبية، وهي الشركة التي تمتلك البنية التحتية والإمكانات اللازمة للخدمات اللوجستية المتعلقة بالوقود في كوبا”.

ثلاثة سيناريوهات

من جانبه، حذّر الرئيس الكوبي، ميغيل دياز كانيل ، من أن الولايات المتحدة تراهن على ثلاثة سيناريوهات للتعامل مع كوبا.

ورأى دياز كانيل ، أن السيناريو الأول يتمثل في “الخنق الاقتصادي بهدف إثارة انفجار اجتماعي، ثم استغلاله بذريعة المساعدات الإنسانية للتدخل في البلاد”.

وأضاف أن السيناريو الثاني يقوم على “حوار قسري مع كوبا قائم على أقصى درجات الضغط بهدف السيطرة على الاقتصاد الكوبي، بما يتيح لاحقاً فرض تغيير في النظام السياسي”.

 

وأشار الرئيس الكوبي إلى أن السيناريو الثالث يتمثل في “العدوان العسكري”.

إحباط استراتيجي عميق

واعتبر الكاتب التركي، أرطغرل جينغيل، أن الولايات المتحدة بعد أن عجزت عن تحقيق “النصر السريع” الذي كانت تبحث عنه في الحرب مع إيران، والتي تحولت إلى قصة لا تنتهي تتأرجح بين وقف إطلاق النار والحصار، وبين الحرب والسلام، تستعد الآن لتفريغ فاتورة إحباطها الاستراتيجي العميق في كوبا.

 

وأضاف، في مقال نشره موقع “ترك برس”، خلال الفترة الأخيرة، تنفذ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استراتيجية “الضغط الأقصى” متعددة المستويات ضد كوبا، تشمل الحصار المالي والضغط في مجال الطاقة، والعمليات الاستخباراتية، والعزل الدبلوماسي، وحتى التحركات العسكرية.

 

وأكد أنه “بعد أن عجز ترامب عن الخروج من المستنقع الحربي في إيران، الذي دخل إليه بتحريض من إسرائيل المتهمة بارتكاب الإبادة الجماعية، يسعى الآن إلى تحويل الأنظار نحو اتجاه آخر وتقديم “نصر سهل” للرأي العام الأمريكي وللكتلة الانتخابية المتشددة”.

 

وأضاف “لهذا السبب تحديدًا، أصبحت كوبا، التي يبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة والتي أُنهكت لسنوات طويلة تحت وطأة الحصار، مختبرًا جديدًا لأوهام القوة الأمريكية”.

 

وأشار جينغيل، إلى أن “الصراع المستمر منذ ما يقرب من سبعين عامًا بين كوبا والولايات المتحدة لا يقتصر على التوتر الدبلوماسي بين دولتين، بل يمثل إحدى أطول جبهات الصراع في مجالات الأيديولوجيا والاستخبارات والحرب الاقتصادية والتنافس على النفوذ العالمي”.

وحسب الكاتب “فقد اعتُبرت الثورة التي قادها فيدل كاسترو عام 1959 وأطاحت بنظام باتيستا المدعوم من واشنطن ضربة تاريخية للنفوذ الأمريكي في الكاريبي”.

 

وأوضح أنه “مع تعثر إدارة ترامب على الجبهة الإيرانية اليوم، تواصل السعي إلى تحقيق “النصر السريع” الذي تبحث عنه قبل انتخابات الثالث من نوفمبر النصفية، من خلال اختبار سياساتها العدوانية في كوبا، بدءًا من الحصار وصولًا إلى الضغوط العسكرية”.

 

وقال “لقد تحوّل هذا الحصار المتغطرس الذي تنفذه إدارة ترامب عبر ماركو روبيو إلى مقامرة خطيرة لا تختبر دولة جزيرية فحسب، بل تمتحن أيضًا القانون الدولي والاستقرار الإقليمي وشرعية الولايات المتحدة على المستوى العالمي”.

 

وخلص الكاتب إلى أن ” المقاومة الكوبية التي لم تنكسر طوال سبعين عامًا رغم الاغتيالات وعمليات التخريب والحصار، تمتلك اليوم أيضًا ذاكرة راسخة أعمق من أن تُضحّى بها في سبيل الاستثمارات الانتخابية لليمين الأمريكي”.

السعي لتحقيق مكسب سهل في كوبا

في السياق، قال الكاتب أوين جونز، إن “آلة الحرب الأمريكية” حوّلت أنظارها نحو كوبا، لافتاً إلى تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ذي الأصل الكوبي، ماركو روبيو، “الذي طالما تاق إلى سقوط الحكومة الشيوعية في الجزيرة، وكرر ذلك مجدداً الأسبوع الماضي. وبينما أعرب عن تفضيله لتسوية تفاوضية، قال إن فرص التوصل إلى اتفاق ليست عالية”.

ونشر جونز مقالًا في صحيفة الغارديان البريطانية، تحت عنوان “بعد أن أذلّتها إيران، تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق مكسب سهل: التركيز على كوبا”، أرفق فيه تذكيراً بسياق الاختيار الأمريكي لكوبا، بقوله “وجّهت الولايات المتحدة الآن اتهامات إلى الرئيس السابق للبلاد، راؤول كاسترو، بالتآمر لقتل مواطنين أمريكيين، وأربع تهم بالقتل، وتهمتين بتدمير طائرات، وذلك على خلفية إسقاط طائرتين في عام 1996”.

ويضيف “تشير الأدلة بشكل متزايد إلى اتجاه واحد، إنه يذكّرنا بشكل قاتم بالاتهام الموجّه إلى نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، الذي استُخدم لتبرير اختطافه من قبل القوات الأمريكية”.

ويستشهد جونز بتصريح للمستشار الألماني، فريدريش ميرتس، حين قال إن الولايات المتحدة “تتعرض للإذلال”، من إيران.

ويردف الكاتب “قد يظن المرء أن شهية ترامب للصراع ستتضاءل، لكن الفشل لا يكبح جماح القوى المتراجعة بالضرورة، بل قد يجعلها أكثر خطورة. لا شك أن ترامب وفريقه قد أقنعوا أنفسهم بأن غزو جزيرة الكاريبي التي تحدّت واشنطن لما يقرب من سبعة عقود قد يمحو الهزائم ويعيد هالة التفوق العسكري الأمريكي”.

 

ويشير جونز، إلى أن ترامب لا يخفي نواياه بشأن ذلك إذ صرّح في مارس بالقول “أعتقد أنني سأحظى… بشرف الاستيلاء على كوبا”، “في إشارة تُذكّر بالمستعمرين الأوروبيين في القرن التاسع عشر الذين قسّموا أفريقيا”.

 

ويرى في مقاله أن تسريب إدارة ترامب لمعلومات استخباراتية تدّعي أن كوبا حصلت على أكثر من 300 طائرة عسكرية مسيّرة، يُفترض أنها ستهاجم القاعدة الأمريكية في خليج غوانتانامو، “محاولة يائسة، وواهية، لتقليد ذريعة أسلحة الدمار الشامل التي استُخدمت لغزو العراق”.

 

ويختم بالقول: “لا شكّ فيما يخطط له ترامب. من ينسى ذلك الفيديو المروع بتقنية الذكاء الاصطناعي الذي نشره عن غزة، الذي يصوّر الركام المدمر وقد تحوّل إلى مشروع فاخر يحمل علامة ترامب التجارية، ويضمّ يخوتاً وناطحات سحاب؟”.

خنق كوبا نفطيا لإسقاط النظام

وأكد المحلل السياسي في الشؤون الأمريكية، نعمان أبو عيسى، أن الإدارة الأمريكية الحالية تسعى لتطبيق “عقيدة مونرو” التي تهدف لفرض الهيمنة الكاملة على الأمريكيتين الشمالية والجنوبية.

 

وأوضح أبو عيسى، خلال مداخلة لقناة اكسترا نيوز، أن واشنطن نجحت جزئياً في تغيير الوضع في فنزويلا، وتضع الآن كوبا كهدف تالٍ، باعتبارها النظام الوحيد المتبقي في المنطقة الذي لا يزال خارج السيطرة الأمريكية ويتمسك بقواعده الاشتراكية، وفق صحيفة اليوم السابع المصرية.

 

وأشار إلى أن هدف الولايات المتحدة من سياسة “الخنق الاقتصادي” هي إيصال الاقتصاد الكوبي إلى “حافة الفشل والانهيار”، لإجبار الحكومة الكوبية على تقديم تنازلات سياسية كبرى وفتح أسواقها أمام الشركات والاستثمارات الأمريكية، خاصة في قطاع السياحة، والتخلي عن نهجها الحالي.

 

وعن احتمالية التدخل العسكري، ذكر نعمان أبو عيسى أن الإدارة الأمريكية تلوح دائماً بالقوة العسكرية وتزيد من تواجد سفنها في المحيط الكوبي، لكنه استبعد حدوث مواجهة عسكرية شاملة في الوقت الحالي.

 

وأرجع ذلك إلى “انشغال معظم القوات الأمريكية في جبهات أخرى، لا سيما في الشرق الأوسط مع إيران”، مؤكداً أن “واشنطن تخشى تكرار تجربة الفشل في العراق، وتفضل حالياً استخدام سلاح العقوبات والمؤسسات غير الربحية لزعزعة استقرار النظام من الداخل”.

وعلى الرغم من كل ذلك لا يستبعد محللون قيام واشنطن بأي خطوة أو خطوات إضافية ضد كوبا اقتصاديًا أو عسكريا؛ فثمة أمثلة أخرى سبقت كوبا في تعرية الإمبريالية والفاشية الأمريكية.

قد يعجبك ايضا