د. لقمـان عبدالغنـي ابراهيـم
في سجلِّ الأيام العظيمـة التي أضاءت صفحـات التاريخ الإسلامي، يبرز يوم المباهلة بوصفهِ مناسبـةً استثنائيـةً تحمل في طياتها معاني الإيمـان واليقيـن، وتكشف عن المكانة السامية لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذين اصطفاهم الله تعالى ليكونوا أقرب الناس إلى نبيه وأعظمهـم منزلةً عنده.
لقد وقعت حادثة المباهلة في الرابع والعشرين من شهر ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة، عندما قدم وفد نصارى نجران إلى المدينة المنورة لمناقشة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شأن السيد المسيح عليه السلام. وبعد حوارٍ طويلٍ وإقامة الحجة عليهم، نزل قول الله تعالى:﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾.
وحين أُمر النبي بالمباهلة لم يخرج بجيشٍ ولا بأصحابٍ كثيرين، بل خرج بأقرب الخلق إلى قلبه وأطهرهم منزلةً عند الله؛ فخرج بالإمام علي بن أبي طالب، والسيدة فاطمة الزهراء، والإمامين الحسن والحسين عليهم السلام. كان ذلك المشهد إعلاناً عملياً عن رفعة هذه الأسرة المباركة، فقد اختارهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليمثلوا الإسلام في أعظم موقفٍ عقائدي، وليكونوا شهود الحق أمام العالم.
وتذكر الروايات التاريخية أن وفد نجران عندما رأى هذه الوجوه النورانية أدرك خطورة الموقف، فقال بعضهم لبعض: إني لأرى وجوهاً لو سألت الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تباهلوهم فتهلكوا. فتراجعوا عن المباهلة وآثروا المصالحة.
إن يوم المباهلة ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل هو درسٌ خالدٌ في الثقة بالله، وفي قوة الحجة، وفي عظمة أهل البيت الذين كانوا ولا يزالون منارات هدى للأمة الإسلامية.
وفي هذا اليوم المبارك يستذكر المسلمون قيم الحوار الراقي، واحترام العقيدة، والتمسك بالحق، كما يستحضرون سيرة أهل البيت عليهم السلام الذين جسّدوا أسمى معاني الطهر والتضحية والإخلاص لله تعالى.
سلامٌ على رسول الرحمة يوم دعا إلى الحق بالحكمة، وسلامٌ على علي وفاطمة والحسن والحسين، الذين خلد الله ذكرهم في آية المباهلة، وجعل محبتهم نوراً في قلوب المؤمنين عبر الأزمان.
ويبقى يوم المباهلة شاهداً على أن الحق لا يحتاج إلى كثرة العدد، وإنما يحتاج إلى صدق الإيمان، وأن أهل البيت عليهم السلام كانوا وما زالوا عنواناً للنقاء الروحي والاقتداء الأخلاقي في وجدان الأمـة الإسلاميـة.
