إن ذكرى ولاية الإمام علي (عليه السلام) ليست مجرد حدث تاريخي عابر يُستذكر في محطات زمنية محددة، وإنما هي تجسيد حي للامتداد الحقيقي والعميق لنهج الرسالة الخاتمة، وهي ضرورة معرفية وقرآنية شاملة لحماية دين الله من التشويه والتحريف الممنهج، وصمام أمان لحفظ الأمة من التيه الفكري والصراع المزمن؛ ذلك الصراع الذي لا يزال يتغذى على الموروث المغلوط من جهة، ومخططات أهل الكتاب من اليهود والنصارى من جهة أخرى، والذين تتطابق مشاريعهم الاستعمارية اليوم مع تحركات الإدارة الأمريكية والكيان الإسرائيلي في استهداف وعي الأمة ومقدساتها.
ومن هذا المنطلق بالذات، تمثل مسألة المرجعية الفكرية والروحية بعد رحيل الرسول الأعظم (صلوات الله عليه وعلى آله) القطب الجوهري الذي دارت حوله رحى القراءات التاريخية والمذهبية والسياسية في التاريخ الإسلامي كله؛ حيث لم تكن هذه المسألة في جوهرها مجرد ترف فكري أو خلاف عابر على سلطة زمنية أو قيادة سياسية، وإنما كانت المرتكز والمحدد الأساسي للمسار الحضاري والمعرفي للأمة بأسرها.
وفي خضم التراكمات المعرفية الكثيفة والمصطلحات الفضفاضة التي أفرزتها القرون المتعاقبة لتبرير الواقع التاريخي القائم وحمايته، يبرز تيار فكري نقدي أصيل يعيد ضبط البوصلة نحو “النص التأسيسي الصريح”، داعياً بقوة وشجاعة إلى محاكمة التاريخ وتقلباته ورجاله إلى النص الإلهي والنبوي الثابت، لا محاكمة النص ومقاييسه القطعية إلى الواقع التاريخي المتغير والمأزوم؛ إذ تنطلق هذه الرؤية من حقيقة راسخة بأن الدين في أصالته يمتلك معايير ذاتية صلبة لا يجوز بأي حال من الأحوال إخضاعها للأهواء والتقلبات السياسية التي شكلت كبرى القناعات الموروثة عبر الأجيال.
ولم يترك الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) أمتّه نهباً للاجتهادات الظنية، أو الارتجال المعرفي، أو التأويلات السياسية المصلحية في تحديد معالم الهداية ومصادر التلقي، وإنما وضع محددات قطعية الدلالة، واضحة المعالم، تكاد تكون مصفوفة معرفية وتشريعية متكاملة لا تترك مجالاً للبس أو التخمين.
فحين يقول رسول الله صلى عليه وآله وسلم في نصوص متواترة يسمعها المحدثون والعلماء والعامة في كل زمان ومكان: ((علي مع القرآن، والقرآن مع علي)) و((علي مع الحق، والحق مع علي))، فإنه لا يمنح مجرد منقبة شخصية عاطفية، وإنما يؤسس لملازمة وجودية، ومعرفية، وسلوكية مطلقة بين الإمام علي بن أبي طالب والوحي الإلهي؛ وهذه الملازمة الدائمة تعني بالضرورة والمنطق العقلي الحتمي أن أي انحراف عن هذا الخط، أو تقديم لأي مسار آخر عليه تحت أي مبرر، هو انحراف مباشر عن القرآن وعن الحق ذاته، إذ لا يمكن للحق في منطق الرسالة أن يتعدد أو يتناقض أو يتشظى.
وحين يضيف النص النبوي إلى هذه المصفوفة أبعاداً تكاملية أخرى كمنزلة هارون من موسى في إدارة شؤون المجتمع وصيانة الرسالة إلا في استثناء النبوة، وجعل الولاية امتداداً حتمياً لولاية الله ورسوله في يوم الغدير المشهود، ثم جعل العاطفة النفسية والموقف القلبي والعملي تجاهه ميزاناً حاسماً وفرقاناً لفرز الإيمان الحقيقي عن النفاق المبطن؛ فإن الأمة هنا بكل مكوناتها تقف أمام تعيين إلهي ونبوي حاسم ومكتمل الأركان لتحديد المنهجية الحقيقية، والقدوة المجسّدة، والعَلَم الهادي الذي يجب أن يلتف حوله الوعي الجمعي بعيداً عن التشويش والتعمية.
وتكمن الإشكالية الكبرى والجذر المعرفي للأزمة في الفكر الإسلامي التقليدي في تحول مصطلح القدوة والاتباع من مفهوم قيمي، مشروط بالاستقامة والالتزام الحرفي بالضوابط النبوية، إلى مفهوم زمني استغراقي وتبريري، يمتد ليشمل كل من عاش في الصدر الأول من تاريخ الإسلام، بغض النظر عن مواقفهم السياسية، أو صراعاتهم الفكرية، أو حتى تصادمهم المسلح مع قيم الرسالة النبوية.
وهنا يبرز نقد بنيوي شجاع وعميق لهذا الإطلاق الفضفاض الذي يعطل العقل ويخلط الأوراق؛ إذ كيف يمكن للأمة من الناحية المنطقية والشرعية أن تتمسك بمنهجية وسيرة شريحة تاريخية، إذا كانت مواقف وسير بعض تلك الرموز قد اصطدمت عملياً، وعلناً، وبشكل قاطع مع “قرين القرآن” وميزان الحق والعدالة؟
وينتقل هذا التحليل في بعده الواقعي والمعاصر ليلامس التحديات الراهنة التي تواجه الفكر الواعي، واصفاً الضغوط الفكرية الكثيفة والموروثات العقائدية المهيمنة بـالإرهاب الثقافي و”الضجة الإعلامية المنظمة التي تحاول حرف بوصلة العداء الحقيقي عن قوى الاستكبار العالمي المتمثل بأمريكا وإسرائيل.
هذا الإرهاب الثقافي ليس وليد اليوم، وإنما هو امتداد لقرون من التوجيه الحزبي والمذهبي الذي يفرض قوالب ذهنية جاهزة، ويمنع العقل الحر من طرح الأسئلة الجوهرية، ويحيط الشخصيات التاريخية بهالة مصطنعة من الحصانة التي تفوق في كثير من الأحيان قداسة النصوص النبوية والقرآنية نفسها.
إن الاستجابة المعاصرة لهذا الضغط الثقافي والانسياق الأعمى وراء التوجيهات الجمعية الموروثة دون تمحيص ونقد، ليست مجرد كسل فكري أو تقليد عابر، وإنما هي صِدام حتمي ومباشر مع الرسول والقرآن؛ فالإنسان في مواجهة هذا الواقع يجد نفسه بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن ينحاز بوعيه وبصيرته إلى الضوابط النبوية القطعية المتمثلة في خط علي والقرآن، أو أن يستسلم للضجيج الثقافي والإعلامي الذي يحاول بكل أدواته تبرير خطايا التاريخ والتغطية عليها على حساب وضوح واستقامة النص الهادي الذي يفرز الجبهات بوضوح ويحدد معالم المواجهة الحضارية.
بناءً على هذا التأصيل الشامل، تصبح العودة إلى الإمام علي (عليه السلام) باعتباره “قرين القرآن” والامتداد الحقيقي لنهج الرسالة ضرورة معرفية وقرآنية شاملة لحماية الدين من التشويه والتحريف، ولحفظ الأمة من التيه الفكري والصراع المزمن الذي يغذيه الموروث المغلوط، وتستثمر فيه القوى الاستعمارية المعاصرة لتمزيق النسيج الإسلامي، لكي يظل الحق مستقلاً بقدسيته ونقائه، متجاوزاً أهواء السياسة، وتبريرات المؤرخين، وتقلبات الصراعات التاريخية التي حاولت طمس معالم الهدى الحقيقي وحرف الأمة عن خط مواجهة أعدائها الحقيقيين.
