الحج.. بين قدسية الشعيرة وحسابات السياسة

سند الصيادي

في كل عام تهفو قلوب ملايين المسلمين إلى تلك البقعة المباركة التي تتلاشى فيها الفوارق المصطنعة، ويقف البشر سواسية أمام خالقهم، مجردين من ألقابهم ومكانتهم الدنيوية، الحج كما أراده الله منارةً للتوحيد والتحرر، قبل أن تعيد السياسة السعودية صياغة وظائفه خارج نطاق الإرادة الإلهية، وعبر قرن كامل من الهيمنة المطلقة على المشاعر المقدسة.
لا يمكن فهم ما يجري اليوم دون العودة إلى لحظة الاختطاف الأولى، حين تقدمت جحافل عبد العزيز بن سعود صوب مكة والمدينة، وأبعد من كونها  حملة عسكرية توسعية، كانت تتويجاً لمشروع استعماري مدروس، رصدت لأجله الإمبراطورية البريطانية ميزانيات ضخمة ، بعد أن أدركت مبكراً أن مركز الثقل في العالم الإسلامي يكمن في الحرمين، فقدمت الغطاء السياسي والعسكري لأسرة لم تكن تملك من الشرعية الدينية ولا التاريخية ما يؤهلها لهذه المهمة، وكانت الأموال التي تدفقت إلى خزينة ابن سعود، ثمناً لصفقة غير مكتوبة، السيطرة على قبلة المسلمين مقابل ضمان إفراغها من أي مضمون تحرري أو توحيدي يهدد المصالح الغربية.
وفي تراتبية زمنية ممنهجة، تحولت الرقعة المقدسة إلى منطقة نفوذ تخضع لمنطق المصالح الدولية قبل أن تخضع لمنطق الشريعة، تم خلالها إعادة تعريف الوظيفة وتغيير الجوهر، فالمناسبة التي يفترض أن تجسد وحدة الأمة الإسلامية وتحررها من العصبيات والولاءات الضيقة، تحولت في كثير من الأحيان إلى فضاء يخضع لحسابات السلطة ومقتضياتها، وأصبحت المنابر الدينية بعيدة عن دورها التاريخي في إيقاظ الضمير الإسلامي وتوحيد الصفوف، لتقترب أكثر من الخطاب الرسمي للدولة.
لم يعد هذا المحفل الإسلامي المهيب مناسبة لإعلان البراءة من الطغاة والمستكبرين، إنما فرصة لتأكيد الولاء للحاكم والدعاء له على المنابر، والخطبة التي كان يفترض أن تهز الضمائر وتوقظ الهمم، تحولت إلى خطاب دعائي يمجّد السلطة القائمة ويحرض على أعدائها، وفي ظل هذا الواقع، برزت تساؤلات متزايدة حول حجم التأثيرات الأمنية والسياسية في إدارة موسم الحج، وحول مصير البيانات الشخصية لملايين الحجاج، في ظل الانفتاح الواسع على الشركات الأمنية والتقنية الأجنبية، وهي تساؤلات تزداد حساسية بالنظر إلى المكانة الدينية الفريدة للحرمين الشريفين وما يمثلانه من رمزية للأمة الإسلامية بأسرها.
التحول العمراني الطاغي التهم حرمة المكان، فقد ارتفعت الأبراج والفنادق العملاقة حول المسجد الحرام، وتغيرت ملامح المدينة التاريخية بصورة غير مسبوقة، تحولت مكة المكرمة إلى غابة من الأبراج الفاخرة التي تطل على الكعبة، كل ذلك أسهم في تكريس الفوارق الطبقية داخل تجربة الحج نفسها، حيث بات القرب من الحرم والخدمات المميزة امتيازاً يرتبط بالقدرة المالية أكثر من أي اعتبار آخر، بينما الأصل في الحج أنه أعظم تجمع للمسلمين، تذوب فيه الفوارق المذهبية والعرقية والسياسية.
قصة الحاج اليمني متقادمة ومستمرة وتستحق أن تروى منفصلة، فقد عاش منذ نشأة هذا النظام استهدافا لم تنسه الذاكرة، منذ مجزرة الحجاج اليمنيين في تنومة، وحتى يومنا هذا تحكي عن تجربة استثنائية من المعاناة، وتجسيدا صارخا للتناقض، بلد يتشارك الحدود، وتجمع أهله بالحجاز أواصر التاريخ والدم واللغة، يجد أبناءه يعاملون معاملة الغرباء المشبوهين.
أظهرت الوقائع المتكررة أن الاعتبارات السياسية كثيراً ما حضرت في ملفات التأشيرات والتنظيم والتنقل والجوازات التي تستخرج بأسعار خيالية رغم صلاحية القديمة، المنفذ الوحيد الذي يفتقر لأبسط مقومات الاستقبال الإنساني، إجراءات الإذلال المتعمدة، ثم الرسوم الإضافية التي ترتفع موسماً بعد موسم، تجعل الرحلة مستحيلة أو شبه مستحيلة، انتقاماً من شعب يرفض الاحتلال والوصاية.
الحج في جوهره ثورة على الطواغيت، إعلان أن الأمة لها مركز واحد لا يتجزأ، ورسالة واحدة لا تتعدد، لكن الحاصل عكس هذه المعادلة، تفتيت المركز، وتعديد الرسائل، وتوظيف المقدس لخدمة المدنس من المصالح، واستعادة الحج ليس بتغيير الإدارة فقط، وإنما تغيير الفلسفة التي تحكمه، وإعادته إلى المسلمين جميعاً، بلا تمييز ولا تسعير سياسي ولا مراقبة صهيونية، وما دون ذلك سيبقى الحج في ظل هذه الوصاية ناقصاً مشوهاً، تماماً كما أراد له الذين خططوا لاختطافه قبل قرن من الزمان.

قد يعجبك ايضا