غزة الجريحة.. كيف يتعايش الناس مع الغياب وسط حرب لا تنتهي؟

 

الثورة نت/

في غزة، لا يأتي الحزن زائرًا عابرًا، بل يقيم في البيوت المهدّمة، ويجلس إلى موائد الناجين، ويرافق الناس في طرقاتهم وأسواقهم وخيام نزوحهم.

هنا، لا تُمنح القلوب وقتًا كافيًا للبكاء، فكل يوم يحمل فاجعة جديدة، وكل ساعة قد تضيف اسمًا آخر إلى قوائم الراحلين.

ومع ذلك، يواصل الغزيون السير فوق جراحهم المفتوحة، كأن الحياة رغم قسوتها، ما تزال تستحق المحاولة.

على امتداد عامين من حرب الإبادة على قطاع غزة، صار الفقد جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.

لم يعد مقتصرًا على رحيل الأحبة، بل تمدد ليشمل البيوت والذكريات والأماكن التي كانت تمنح الناس شعورًا بالأمان. وبين هذا الركام، يحاول السكان ترميم ما تبقى من أرواحهم، والتمسك بخيوط رفيعة من الصبر والأمل.

الشاب بلال الحسن واحد من أولئك الذين تركتهم الحرب في مواجهة وحدة قاسية، بعدما فقد جميع أفراد عائلته في قصف صهيوني استهدف شرق خانيونس.

اليوم، يعيش داخل خيمة خالية من الأصوات التي كانت تملأ حياته دفئًا.

يقول بلال لـ وكالة (شهاب) الفلسطينية: “جميع عائلتي استشهدوا، ما في حدا أشاركه يومي، وأصعب شيء مش لحظة الفقد نفسها، إنما الحياة بعد الفقد، لما كل يوم تستوعب إنك صرت وحدك فعلًا”.

ورغم الجرح العميق، يحاول الشاب النجاة من الانهيار، مضيفًا: “ما بدي أقول إني تخطّيت، بس صرت أملأ وقتي بأي شيء، بحكي معهم بقلبي، وبحاول أعيش بطريقة ترضيهم لو كانوا موجودين”.

أما الشاب عبدالله خليفة، فما زال يحمل وجع فقدان صديقه محمد، الذي لم يكن بالنسبة له مجرد صديق، بل أخًا وسندًا ورفيق سنوات الدراسة والعمل.

يقول عبدالله إن كل مكان جمعهما بات يستدعي حضوره، من الشوارع إلى المقاهي وأماكن العمل، مضيفًا أن غيابه ترك فراغًا كبيرًا لا يملؤه شيء.

ويتابع: “تخطي الوجع مش معناه النسيان، هو القدرة على التنفس مرة أخرى. كل زاوية بغزة بتذكرني فيهم، كنا خمسة وهلّقيت صرنا اثنين، بس الواحد بيحاول يصبر حتى ينال أجر الصبر”.

وفي ظل واقع لا يرحم، أصبح العمل بالنسبة لكثيرين وسيلة للهرب المؤقت من ثقل الفقد، ومحاولة لاستعادة شيء من التوازن النفسي وسط الانكسارات المتلاحقة.

ويقول عبدالله: “الشغل هو وسيلتي الوحيدة للهروب من مرارة الفقد، الوجع كبير بس الأمل بالله أكبر”.

ورغم اتساع دائرة الألم، يدرك الغزيون أن الاستسلام للحزن يعني خسارة ما تبقى منهم، لذلك يواصلون الحياة بما توفر من قوة، ويمنحون الراحلين مكانهم الدائم في الدعاء والذاكرة.

في غزة، لا يعني تجاوز الفقد نسيان من رحلوا، بل يعني القدرة على الوقوف كل صباح رغم الغياب، والبدء من جديد رغم الخراب. فهنا، يولد الصبر من قلب المأساة، ويثبت الناس كل يوم أن الحرب قد تهدم الحجر، لكنها تعجز عن كسر إرادة البشر.

 

قد يعجبك ايضا