الضمير العالمي.. بين شعارات الحقائق وخرقان القيم

خلود الشرفي

 

ليس الضمير العالمي مجرد كلمة نترنم بها في قاعات المؤتمرات الفارهة، ولا هو بند في جدول أعمال الأمم المتحدة تُرفع له القبعة ثم يُنسى مع انتهاء الجلسة. الضمير العالمي، في أعمق معانيه، هو ذاك الوجع الإنساني المشترك الذي ينتابنا حين نرى طفلاً يلفظ أنفاسه تحت الأنقاض، ليس لأن زلزالاً ضرب الأرض، بل لأن قنبلة «ذكية» صنعتها أقوى دول العالم قررت أن تسقط على بيته.
لكننا اليوم، وفي زمن انكشاف الحقائق، نعيش أكبر مفارقة في تاريخ الأخلاق الدولية. نتحدث عن الضمير العالمي، ونحن نرى بأم أعيننا أن «الضمير» هنا لا يهتز إذا كان المعتدي يحمل جنسية أمريكية أو إسرائيلية، ولا يستفيق إذا كان القتلى في غزة أو جنوب لبنان أو أي بقعة تقف في وجه الهيمنة.
أين هذا الضمير العالمي الذي يهز عواصم الغرب كلما سقطت دمعة يتيم في أوكرانيا، لكنه يصاب بالعمى التام عندما يُباد أهالي غزة؟ أين هو عندما تتحول المستشفيات في لبنان إلى ساحات قتل تحت ذريعة «حق الدفاع عن النفس»، وعندما تُستخدم الطائرات الأمريكية لنقل القنابل التي تفتك بالنساء والأطفال؟ لقد انكشفت الحقيقة الأكثر إيلاماً: الضمير العالمي ليس عاجزاً، بل هو محتل. احتلته إدارة أمريكية تلو الأخرى التي ترعى العدوان بعين الرضا، واحتلته قوى استعمارية جديدة تلبس ثوب الديمقراطية بينما تمارس أبشع صور الإبادة.
إننا أمام ازدواجية مريضة: أمريكا التي تهدد بـ«عقوبات على جرائم الحرب» في مكان، ترسل حاملات الطائرات لحماية من يرتكبها في مكان آخر. إسرائيل التي تتحدث عن «أخلاق الجيش»، تُقصف الأسواق وتجبر الملايين على النزوح، ثم تجد من يبرر لها بصوت عالٍ في الإعلام الغربي. هذا ليس ضميراً عالمياً، هذا مسرح كئيب للانتهازية السياسية.
ربما حان الوقت أن نعترف بأن «الضمير العالمي» الذي نكتب عنه هو أسطورة جميلة، أو حلم لم يولد بعد. فالضمير الحقيقي لا ينام حين يرتكب القوي جريمته، ولا يلتفت حين تظهر براءة الضعيف. الضمير العالمي، لو كان موجوداً، كان سيهتز لمشاهد الأطفال الأشلاء في غزة، وكان سينتفض لمشاهد الدمار في الضاحية الجنوبية لبيروت، وكان سيرفع صوته عالياً: لا للصمت على جرائم أمريكا وإسرائيل.
لكن، ورغم كل هذا السواد، يبقى الأمل الأخير في ضمائرنا نحن كأفراد، في الضمير العربي الذي لا يمكن شراؤه، في الضمير الحر الذي يفضح التناقضات. فالضمير العالمي الزائف قد يخبو، لكن الحقيقة تبقى أقوى من كل طائرات الـ «إف 35» ومن كل الفيتوات الأمريكية.
نحن اليوم أمام امتحان حقيقي: إما أن نكشف زيف هذا «الضمير» الذي يوزع البكاء حسب الأصول، وإما أن نستمر في مناداتها اسماً لا وجود له. صحيح أن أمريكا وإسرائيل تملكان القنبلة والصوت الإعلامي، لكنهما لا يملكان البراءة. والتاريخ، الذي لا يرحم الطغاة، سيكون شاهداً على أن أعتى الانتهاكات لا يمكن تبريرها بأي «ضمير» مزيف.
في النهاية، لا ضمير عالمي في عالم يسوده قانون الغاب، إلا إذا قررنا نحن ألا نكون جزءاً من الصمت. وكل يوم يمر ونحن نرى العدوان دون أن نصرخ فيه، فهو يوم ندفن فيه جزءاً من إنسانيتنا.

قد يعجبك ايضا