لم تعد المعارك اليوم تخاضُ فقط على الأرض، ولا تُحسم بالصواريخ وحدَها، فقد انتقلت إلى ساحة أخطر وأعمق.. ساحة الوعي.. هناك، حَيثُ تعاد صياغة المفاهيم، وتقلب الحقائق، ويعاد تعريف العدوّ والصديق، حتى يصبح المحتلّ في نظر البعض شريكًا، ويقدم المقاوم؛ باعتبَاره عبئًا على أمته.
إنها معركة العقول التي تسبق كُـلّ معركة، وتمهّد لها، بل وقد تغني عنها.
لقد أدركت قوى الهيمنة مبكرًا أن السيطرةَ العسكرية مهما بلغت لا تكفي لضمان الاستقرار، وأن الاحتلال الحقيقي هو احتلال الوعي قبل احتلال الأرض.
ومن هنا، لم يكن غريبًا أن تتحولَ وسائل الإعلام إلى أدوات مركَزية في إعادة تشكيل العقل العربي، لا عبر المواجهة المباشرة، بل من خلال التسلل الناعم، وإعادة ترتيب الأولويات، وصناعة سرديات جديدة تخدر الوعي بدل أن توقظه.
في هذا السياق، برز إعلامُ التطبيع، وهو ليس مُجَـرّد إعلام يدعو إلى علاقات رسمية مع العدوّ، بل منظومة متكاملة تعمل على تفكيك القناعات الراسخة، وإعادة تعريف القضية الفلسطينية من كونها قضية تحرّر إلى مُجَـرّد نزاع سياسي قابل للتسوية.
يتم ذلك عبر عدة أدوات؛ أولها إعادة تعريف العدوّ، حَيثُ لم يعد يقدم ككَيان احتلالي توسعي، وإنما كطرف له مخاوفه الأمنية وروايته الخَاصَّة.
وثانيها شيطنة المقاومة، عبر ربطها بالفوضى والدمار، وتصويرها كسبب في معاناة الشعوب بدل كونها رد فعل طبيعي على الاحتلال.
أما الأدَاةُ الثالثة، فهي التطبيع الناعم، حَيثُ تتسلل الرسائل عبر الدراما والبرامج الترفيهية، فيتم تقديم العدوّ في صورة إنسانية، بينما تهمش صورة الضحية الحقيقية.
وفي موازاة ذلك، يتم إغراق المشهد العام بقضايا ثانوية، تشغل الرأي العام عن قضيته المركزية، حتى يصبح الحديثُ عن فلسطين في بعض البيئات ترفًا فكريًّا، لا أولوية وجودية.
ولم تعد هذه العملية حكرًا على القنوات الرسمية، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى ساحة مفتوحة لتشكيل الوعي، حَيثُ تتداخل الحقيقة بالدعاية، ويصعب التمييز بين الرأي الحر والحملات المنظمة.
هناك جيوش إلكترونية تعمل على صناعة الترند، وتوجيه النقاشات، وإعادة تدوير الشبهات، حتى يصبحَ المستخدِم العادي – دون أن يدري – جزءًا من منظومة إعادة إنتاج الخطاب الموجه.
وفي المقابل، يقف خطابُ المقاومة كطرف أَسَاسي في هذه المعركة، مستندًا إلى ركيزتين أَسَاسيتين: عدالة القضية، والارتباط الوجداني والعقائدي بها.
وقد أثبت هذا الخطابُ قدرته على الصمود في أحلك الظروف، خُصُوصًا حين يتجلى في الميدان، حَيثُ تفرض الوقائع على الأرض قبل أن تناقش في الإعلام.
غير أن هذا الخطاب – رغم قوته – لا يخلو من إشكالات، أبرزُها أنه غالبًا ما يتحَرّك في إطار رد الفعل، بدلًا من أن يبادر إلى صياغة روايته بشكل استباقي، كما أنه لا يخاطب دائمًا كُـلّ الشرائح بلغة تناسبها؛ مما يترك فراغات يستغلها الخطاب المضاد.
إن معركة الوعي اليوم لا تقل خطورةً عن معركة السلاح، بل ربما تفوقها أثرًا، فالجيوش يمكن أن تُهزم ويُعاد بناؤها، أما الوعيُ إذَا تشكّل على أَسَاس خاطئ، فإن إعادةَ تصحيحه تحتاج إلى أجيال.
وأخطر ما يمكن أن يصلَ إليه الإنسان ليس أن يُهزم، بل أن يقتنعَ بأنه لا يستحق النصر، أَو أن عدوَّه ليس عدوًّا.
لقد نجحت مشاريعُ الهيمنة في تحقيق اختراقات ملموسة في بنية الوعي العربي، لكنها لم تنجح في حسم المعركة.
فما زالت هناك مساحات واسعة من الرفض، وما زالت القضية الفلسطينية حاضرة في وجدان الشعوب، رغم كُـلّ محاولات التهميش والتشويه.
وهذا يعني أن المعركةَ لم تحسم بعدُ، وأن إعادة بناء الوعي ممكنة، لكنها تتطلب جهدا واعيًا ومنظمًا، يبدأ من إدراك خطورة ما يجري، ويمتد إلى بناء خطاب إعلامي بديل، قادر على الجمع بين العمق والوضوح، وبين العاطفة والعقل.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهمُّ أن أخطرَ الهزائم، ليست تلك التي تقع في الميدان، بل تلك التي تستقر في العقول، وحين يعاد تشكيل وعي أُمَّـة كاملة لتقبل بالهزيمة، فإن المعركة تكون قد حُسمت قبل أن تبدأ.
لذلك، فإن استعادةَ الوعي ليست ترفًا فكريًّا، ولا مُجَـرّد خيار ثقافي، إنها أولى خطوات التحرّر، وأَسَاس كُـلّ نصر قادم.
Prev Post
