من الصمود إلى الإسناد

سند الصيادي

 

وقف السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي في خطاب الذكرى الحادية عشرة لـــ”اليوم الوطني للصمود” ليقدم قراءة استراتيجية متكاملة لواقع اليمن والمنطقة، من خلال خطاب تجاوز إحصاء الجرائم ورصد الدمار، والسرد التقليدي للأحداث، إلى خرائط طريق تكشف خيوط المؤامرة الكبرى، وتأسيس رؤية عقائدية وسياسية واضحة.

وبقدر ما قدّم السيد القائد أرقاماً وإحصاءات تحولت في مجملها إلى قائمة اتهام موثقة بحق تحالف العدوان، وشهادات حية على وحشية استهدفت الإنسان اليمني في وجوده، فقد فكك القائد مجدداً مغلوطات المشهد، واضعاً الأمور في نصابها الصحيح بكشفه النقاب عن الوجه الحقيقي للعدوان على اليمن، كجزء من مشروع إخضاع شامل يهدف إلى سلب الشعب اليمني قراره السيادي، ونهب ثرواته، وتطويعه لخدمة الأجندة الأمريكية والإسرائيلية.

القضية اليمنية منذ اللحظة الأولى كانت جزءاً من معركة أكبر، معركة الأمة ضد الهيمنة والوصاية، وما تلا ذلك من تدمير ممنهج لمقوّمات الحياة في اليمن لم يكن سوى تجسيد لهذه الحقيقة، القصف الجوي والحصار البحري والنهب الممنهج للثروات الوطنية، الحرب الخفية التي تستهدف النسيج الاجتماعي، “محاولات إفساد الذمم وشراء الولاءات واختراق الجبهة الداخلية”، من خلال “الخلايا المشتركة بين السعودية وبريطانيا”.

في قراءة جيوسياسية عميقة، فكّك السيد القائد بنية التحالفات التي تقف خلف العدوان على اليمن، فالقيادة الأمريكية هي المحرك الأساسي، والسعودية هي الذراع الإقليمي المنفذ، وبريطانيا شريك أساسي، وإسرائيل هي المستفيد الأكبر والظل الذي يتحرك خلف الجميع، هذه القراءة تحوّل الصراع من إطار إقليمي ضيق إلى إطار دولي-صهيوني واسع، هذا يضع اليمن في موقع المدافع عن نفسه وعن الأمة في مواجهة مشروع هيمنة عالمي.

أشار السيد القائد إلى تحول استراتيجي في إدارة الصراع، حيث تم “خفض التصعيد” مع تحالف العدوان للتركيز على الأولوية الكبرى: “التحرك ضد المخطط الصهيوني الذي يستهدف أمتنا بكلها”، هذا التحول يعكس رؤية استراتيجية عالية المستوى، ترى أن الخطر الأكبر لا يأتي من الجوار القريب فقط، بل من المشروع الصهيوني الذي يسعى لـ”تغيير الشرق الأوسط” وإقامة “إسرائيل الكبرى”.

وفي معرض حديثه عن غزة، ونقطة التحول، حيث دخل اليمن في “الإسناد المباشر” للشعب الفلسطيني، يستغرب القائد استغراب العارفين، كيف أن “بعض الأنظمة في المنطقة تجاهر بالموقف السيئ إلى من يتصدى لهذا المخطط الذي يستهدف هذه الأمة”. !، ويتساءل عن “ما هي الفائدة لبعض الأنظمة حتى تتعاون مع عدو يستهدف حتى بلدانها؟”، وهو سؤال يملك القائد أجوبته، لكنه يضع الأنظمة المتواطئة أمام مسؤولياتها، ويكشف عن غياب الرؤية الاستراتيجية لدى من يظنون أن التعاون مع العدو الصهيوني قد يحميهم منه.

كان للسيد القائد وشعبه موقف واضح ومتجدد تجاه العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية، ” الوفاء بالوفاء، فإيران كانت الدولة الوحيدة رسمياً المتضامنة معنا ضد العدوان على بلدنا”، يمتد هذا الموقف إلى تقدير الصمود الإيراني، والثبات العظيم للشعب الإيراني وتماسكه وحضوره المستمر في الساحات الذي خيب أمل الأعداء”، داعياً إلى أن “يلتف الجميع حول الموقف الإيراني على كل المستويات وبكل أشكال الدعم”.

في كل محاور الخطاب، يعود السيد القائد إلى تأكيد الهوية الإيمانية للشعب اليمني، مستشهداً بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “الإيمان يمان والحكمة يمانية”، هذه الهوية ليست مجرد شعار، بل هي رأس المال الحقيقي الذي يجعل الشعب اليمني “يأبى الضيم والذلة والهوان”.

ومع كل هذا الدمار، ومع كل هذه المؤامرات، يظل السيد القائد واثقاً بالنصر، لأن النصر “ثمرة الصمود والثبات القائم على التوكل على الله والتمسك بالحق”، وفي السياق يختتم السيد القائد خطابه بدعوة للشعب اليمني للخروج المليوني، وبهذه العبارات توج القائد اليمني خطاباً جديداً يضع اليمن في موقعه الطبيعي كحصن منيع للأمة، وشعباً لا يرضخ للهيمنة ولا يباع بالمال، ويجعل من هويته الإيمانية مصدر قوته وعنوان وجوده.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

 

قد يعجبك ايضا