تضعُنا التطوراتُ الراهنةُ أمام مفارقة وجودية تتجاوز حدود الجغرافيا السياسية التقليدية، لتطرح سؤالًا جوهريًّا حول طبيعة الانفصال الذهني والسياسي بين الأنظمة العربية ومحيطها القومي والإسلامي.
فبينما تقترب نيرانُ “إسرائيل الكبرى” من الأعناق، وتتحول الأطماع الصهيونية من تصريحات عابرة إلى وقائع جيوسياسية مدعومة بتحَرّكات ميدانية، نجد بعض العواصم العربية لا تكتفي بـ “الفرجة”، بل تذهب بعيدًا في شرعنة الوجود الأجنبي وفتح أبوابها للقواعد والمطارات تحت ذرائع واهية.
إن التحليل العميق للمشهد يكشف عن حالة من “الوكالة السياسية” التي تمارسها بعض الأنظمة؛ حَيثُ يتم استبدال مفهوم “الأخوة في الدين والجغرافيا” بعداوات مفتعلة، ويُعاد تعريف الصديق والعدوّ وفقًا للمصلحة الأمريكية المتراجعة.
ففي اللحظة التي تترنَّحُ فيها واشنطن وتتوسَّلُ حلفاءَها للقتال بالنيابة عنها وصَبَّ ميزانياتهم في خزائنها، نرى إصرارًا غريبًا من بعض القادة على التمسك بعباءة الحماية الأمريكية، رغم ثبوت فشلها في توفير الأمن الحقيقي.
المفارقة الكبرى تكمن في استهداف السلاح الذي يذود عن الأرض والعرض.
فبدلًا عن تعزيز خيارات القوة والمقاومة في وجه الأطماع التوسعية، تنشغل بعض الحكومات بمحاصَرة “رِفاق السلاح” وطرد سفراء الجوار، في محاولة بائسة لإرضاء قوى الاستكبار.
هذا السلوك لا يمثِّلُ انتحارًا سياسيًّا فحسب، بل يمهِّدُ الطريقَ لمشروع “إسرائيل الكبرى” ليتمدَّدَ في فراغ الكرامة الذي خلفته تلك السياسات.
أمامَ معجزة الصمود في جبهات المحور، من طهران إلى بيروت وبغداد وصنعاء، وأمام الانكفاء الأمريكي المتبختر، لم يعد أمام الشعوب المستهدفة رفاهية الانتظار أَو الاكتفاء بدور “المشاهد”.
إن استحقاقاتِ المرحلة تفرض المبادرة لخيارات التحرّر والاعتماد على الذات وإعداد العُــدة.
فالنصر، كما علَّمتنا التجارب، هو “صبرُ ساعة”، والظفر مضمون لمن امتلك الإرادَة والوعي بأن العدوّ لا يفهم إلا لغة القوة، وأن الرهان على الغزاة هو رهان على سراب سيفضي حتمًا إلى الخسارة التاريخية.
