إنّ أي رؤية لمواجهة هذه الحرب الأمريكية الصهيونية التاريخية على إيران الإسلامية يجب أن تكون متوافقة مع دوافع هذه الحرب وطبيعتها، فعندما أخذت أمريكا قرار الحرب أخذته بدافعين، أيديولوجي بمواجهة الإسلام، إن الإسلام الشيعي المقاوم أو السني المقاوم كما ذكر وزير الحرب الأمريكي ذلك صراحة ودون مواربة، أمّا الدافع الثاني فينطلق من كون إيران آخر معضلة تقف أمام رؤية أميركا الإمبراطورية العالمية وتطويب إسرائيل على غرب آسيا ضرورة حاسمة.
فإيران لا زالت الحائل دون إحكام طوقها المهني باعتبارها بوابة إلى الشرق وبيضة القبان في ميزان (الشرق /الغرب). إذا الدافع بطبقتين، إيديولوجي وجيواستراتيجي. لذلك فإنّ التصّدي يجب أن يلحظ الأمرين. أما استراتيجيتنا لهذه الحرب فيجب أن تأخذ أيضا حيثيتين، الأولى الدفاع أي إفشال الأهداف، والهجوم بحيث نخلق تصدّعاً في الخطوط الخلفية (ليس بالمعنى العسكري فقط) والمرتكزات التي يعتمد عليها العدو في حربه.
في الدفاع تحتاج إلى الشعوب وروحها الثورية ووحدتها وصمودها والمخططات الدفاعية العسكرية والأمنية وللنفس الطويل كما تحتاج الرأي العام العالمي المؤيد وتأكيد شرعية المعركة وأحقّيتها وعدم تجاوز قواعد الأخلاق والقانون الدولي – حتّى لو أنّ الأمريكي والصهيوني يركلانه – واتباع سياسة الخطوة خطوة في الرد والتصعيد بالتصعيد وبقدره – ليس لضعف، – فعلينا أن لا نغفل أنّ الحرب الجارية هي ربّما أخطر وآخر الجولات في تاريخ الصراع مع الإمبراطورية الأمريكية وابرز سياساتها في منطقتنا “إسرائيل”. (إسرائيل هي بذاتها سياسة أمريكية وليست وجوداً حقيقياً).
وعليه، يمكن باستخدامك لهذه الأوراق أن تحّقق دفاعاً معقولاً. لكن هل يمكنك أن تبقى في الدفاع وإفشال أهداف العدو العسكرية فقط. أم تحتاج لإفشال مشروعه أي أهدافه السياسية والتحول للهجوم بالعمل لتحقيق أبرز أهدافك بإسقاط صورة وهيبة ونموذج أمريكا وهيمنتها! ونقل العالم من فضاء الخيال والوهم إلى الواقع والحقائق!. من هنا يمكن أن نفهم الحاجة إلى الرأي العام وتبيين الصدع المتنام بين المجتمع الأمريكي والغربي والكيان الصهيوني، والحاجة لتوّسع ميدان الحرب إلى الجانب الاقتصادي لتعميق الهوة بين المجتمعات والأنظمة التي تدير أو تغطي هذه الحرب الظالمة وتزيد نسبة الضغط العالمي على عدّوك فهل يعقل ان يستفيد هو وحلفاؤه من الطاقة التي أنت تقوم بضمان وصولها السلس اليه فيقتلك ويخنقك !!، لذلك فإنّ مصادر قدرته يجب أن تضعُف ومن أبرزها مصدر الطاقة كما عزم الشعب الأمريكي وثقته بقرارات قيادته.
مضيق هرمز هو أحد الخيارات ومضائق أخرى وبحار قد تكون على الطريق. سيقول قائل؛ لكن هناك انعكاسات سلبية على شعوبنا بهذا الفعل، نعم، لكن اليوم نحن في معركة “بقاء” بينما هو في معركة اختيار لا بل هو في معركة “سلطة وتنّمر” لا اختيار. لذلك أنت مجبر ان تتحمل وأن تفرض عليه ما لا يمكنّه تحمّله من أثمان على الصعد المختلفة بما يُضعف هيبته وهشاشة نموذجه للقوة باعتبارها أحادية البعد. ومع استمرار الحرب وتصاعد وتيرتها وتزايد المخاطر قد تحتاج إلى الانتقال إلى مربّع الضغط الجيو السياسي على الأمريكي إلى جانب الجيو اقتصادي والاستراتيجي العسكري؟
يبدو ذلك مرّجحاً. لماذا ؟؟ إنّ الناظر لهيمنة أميركا العالمية وهيمنتها في منطقتنا على وجه الخصوص يجدها تعتمد على ركيزتي أنظمة الخليج والبترودولار والكيان الصهيوني، هي تأخذ من الخليج بيد وتعطي الكيان الصهيوني ليتوسّع باليد الأخرى ونبقى في حلقة مقفلة من النزف، وقد ذهبت أبعد من ذلك في العقدين الأخيرين إذ انتقلت بتصورها لدول الخليج من كونهم نفط وبترودولار إلى ساحة نفوذ عسكري وأمني لها ولإسرائيل لإضعاف وضرب خصومها كما للامساك بشريان الطاقة العالمي وكل ذلك كان يتم بحجة تأمين الحماية الأمنية للخليج بما عرف علميا بمعضلة الأمن في الخليج. هل لا زال مقبولاً استمرار هذه الحلقة القاتلة؟ بالتأكيد كلا. انّ مدخلية ذلك تبدأ أولا من دول الخليج أنفسهم بأخذهم القرار السيادي لاستنقاذ انفسهم والمنطقة على السواء. لقد ثبت بالدليل القاطع أنّ أميركا لا تحمي وانّ إيران منيعة جدا ولا يمكن ان تسقط بهذه الحرب التاريخية بل ربما تخرج اقوى !، لذلك فإنّ تغيير المقاربة الخليجية بالنسبة للدول العربية في الخليج بات الزامياً أي إعادة النظر في سياساتهم الكلية وتموضعهم، وهناك مسؤولية كبيرة على مصر (كبيرة العرب) لتوعيتهم وتدليلهم على مصالح العرب ومصالحهم .
المنطقة تنتظر منهم قرار يعلن بوضوح سيادتهم الفعلية على أرضهم وسمائهم وقرارهم، وأن يمتلكوا جرأة أن يجلسوا بشجاعة مع جارتهم إيران للتفاهم على تصور لأمن الخليج بعيداً عن أميركا. يجب أن يكون واضحاً أنّ إيران اليوم وغداً لن تقبل نموذج زيلينسكي بجانبها وعلى حدودها يغّير هوية شعبه ويعرّض أمن جيرانه للخطر الصهيو أمريكي الزاحف. لذلك أصاب من قال إنّ الذي يمكنه أن ينهي هذه الحرب الحارقة والمهلكة بعد الصمود الإيراني والنجاح الباهر حتى الآن في الحرب وخوض المواجهة، هم دول الخليج العربية!!.
ليس هذا فحسب بل هناك وجاهة للرأي القائل أنّه دون تغيير بعض هذه الدول لسياساتها ومواقفها واستمرارها حارسة أمينة للسيطرة الأمريكية ومموّل حروب أميركا على غزة ولبنان وإيران واليمن والسودان والصومال وسوريا يجعل من كل مجهود للقضاء على مشروع إسرائيل يعاني من حدود ويجرئ نتانياهو على أحلامه الدائمة في التوّسع (قامت الإمارات والبحرين بالالتحاق بمسار ابراهام بينما آلاف الفلسطينيين يذبحون واستمرت المساعدة لإسرائيل خلال طوفان الأقصى، واجهت منظومات الدفاع الجوي الصواريخ التي تنطلق من إيران حماية لأمن إسرائيل بينما سهرت لضرب إيران… إلخ).
نقول : مهما كانت الجدّية والعمل المبدع كالذي تقوم به إيران اليوم وجبهة المقاومة في التصدي الأسطوري وإفشال الحرب لكن يبقى الانتصار وتحقيق أهدافنا نحن كأمة متوقف على دول الخليج العربية وتموقعهم المقبل.
انّ إضعاف الهيمنة الأمريكية في المنطقة وصولا لإنهائها مسار متعّدد الشعب وفي متنه نظام أمنى في الخليج بالتفاهم الكامل مع ايران وموقف مختلف لأغلبها من فلسطين والحق الفلسطيني باعتبار مسألة حق فلسطين في الحياة هي بؤرة التوّتر والتفجير الدائم في المنطقة. عند هذين العاملين يبرز دور مهم للسعودية أن تبادر في مسألة نظام أمن الخليج الإسلامي كما لمصر في مختلف المسائل وأبرزها القضية الفلسطينية. بصريح العبارة إذا استمّرت دول الخليج خادمة أمينة لمصالح أمريكا وإذا استمرّت تلعب دورا مستتراً أو معلناً (أحياناً) لضرب قوى المقاومة من خلف الستار واستمرت في خدمة الأجندة الأمريكية ومنعدمة السيادة أمام الأمريكي وربّما الإسرائيلي – كالبحرين والإمارات – وإذا استمرّت تجعل من مالها دولة بيد الغرب وأرضها محلاً لاستهداف إيران ودول الجوار وجبهات المقاومة، إذا استمرّت فإنّ الحرب ستطول وستكون هي خط الدفاع عن إسرائيل وتدفع الفاتورة الأكبر، لذلك يجب عليهم تغيير المقاربة بالكامل وعليهم الاختيار بين أمريكا وإسرائيل أو بين سيادة حقيقية لدولهم وشعوبهم وحماية مصالح جيرانهم والتخلي عن نظرية احترابهم مع مجتمعات المقاومة، فاللعبة السابقة انتهت واقعاً وفعلاً.
ولا بأس أن نضرب مثالاً : فهذه مصر رغم ظروفها الصعبة على أكثر من صعيد لا سيّما الاقتصادي لكنّ جيشها وشعبها ونظامها السياسي (الذي ننتقده أحياناً) لم يسمحوا يوماً للتآمر على الواقع العربي، بل كانوا يحافظون على قواعد الحّد الأدنى للأمن العربي والإسلامي ولا يقدّمون أنفسهم خدَمة لأمريكا وإسرائيل فكان لديهم قدرة أن يقولوا كلاماً في أمور عديدة وهذه باكستان وهذه الجزائر وتونس وكذلك تركيا التي رغم أنّها في حلف الناتو لكن استطاعت أن تقول كلا في أمور معيّنة – وللتنويه.. فقد قالت السعودية لا في مسألة سعر النفط ما يعني أنّها قادرة أن تقول لا إذا وجدت الأمر مصيري بالنسبة اليها -، لذلك على هذه الدول أن تكون دولا فعلية تؤمن مصالحها ومصالح من حولها بدل أن تكون جسراً لتهديدهم.
القرار يتوّقف عليهم وعلى قرارهم السيادي وتعاطيهم في مواجهة الحرب الأمريكية ضدّ إيران وإلاّ فإنّ تغيّرات جيوبوليتيكية ستفرض نفسها لكسر حلقة “الخليج أميركا إسرائيل” إذا ما تفجّر الصراع كلياً.
الفرصة لا تزال سانحة للخليج وأنظمته أن يأخذوا موقفا ً يغّير مسارهم التاريخي ويبادروا انطلاقاً من أولوية دولهم وجيرانهم أولاً ولا يعّرضوا أنفسهم لضغوط أكبر من أن تطاق لأنّ المعركة بالنسبة لمجتمعات المقاومة وإيران هي معركة بقاء كما ذكرنا.
الشارع العربي يناشدهم ويدعوهم أن يستفيقوا قبل أن يكونوا رماد تطوّرات الحرب وأوهام ترامب ونتانياهو وجنونهما ـ وقبل أن تتوسع الحرب من البعد العسكري فحسب إلى جغرافيا الطاقة في غرب آسيا ككل ثم إلى الجيوبوليتيك.
كاتب لبناني
