بين هرمز وذكريات فيتنام.. هل تبدأ النهاية الأمريكية؟

محمد عبدالمؤمن الشامي

 

في مضيق هرمز، تختبر الولايات المتحدة حدود قدراتها الاستراتيجية، ليس فقط على صعيد القوة العسكرية، بل في قدرتها على النجاة من مستنقع استنزاف طويل الأمد قد يضعف نفوذها ويستنزف مواردها الحيوية، كما حدث قبل عقود في فيتنام. إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتقدت أن إيران خصم محدود، وأن تدخلها العسكري سيكون موجّهًا ومحصورًا، وقابلًا للسيطرة بسهولة. لكن الواقع أثبت عكس ذلك: إيران ظهرت كقوة صلبة، صامدة، وقادرة على إعادة رسم موازين القوى الإقليمية.

التحدي الأمريكي اليوم لا يقتصر على القوة العسكرية وحدها، بل يمتد إلى الحسابات السياسية والاقتصادية المعقدة. فوزارة الدفاع الأمريكية طلبت تمويلًا هائلًا يفوق مئتي مليار دولار لدعم العمليات في إيران، فيما تشير التقديرات الأولية إلى أن العمليات تكلف نحو مليار دولار يوميًا. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل مؤشرات على استنزاف هائل للموارد، وتذكّر بالدرس القاسي في حرب فيتنام: الحروب الطويلة تُخسر بالتراكم، لا بالضربة الواحدة.

مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري، بل ساحة استنزاف مركّبة. كل يوم يمر يرفع كلفة الحرب، وكل تصعيد يفتح الباب لتصعيد أكبر، حتى تصبح القوة العسكرية نفسها عبئًا، والخروج من النزاع أصعب من الدخول إليه، بينما يظهر الخصوم الحقيقيون الذين لم تُحسن الولايات المتحدة تقديرهم.

الأمر الأخطر يكمن في تأثير الضغوط الخارجية على القرار الأمريكي. فالسياسة الأمريكية تتأثر مباشرة بالكيان الصهيوني المحتل، وباللوبيات الصهيونية داخل مراكز القرار، التي تمتلك القدرة على توجيه السياسة الخارجية وإعادة صياغة الأولويات، ودفع واشنطن نحو خيارات تصعيدية تخدم مصالح هذا الكيان، حتى لو أدى ذلك إلى تورط الجيش الأمريكي في حرب مفتوحة بلا نهاية واضحة، واستنزاف مستمر للموارد والمخزون العسكري.

السيناريو الحالي يعيد إلى الأذهان درس فيتنام: القوة العظمى لم تُهزم بسبب نقص السلاح، بل لانزلاقها التدريجي إلى مستنقع طويل الأمد استنزفها سياسيًا واقتصاديًا ونفسيًا، وجعل الانسحاب أكثر صعوبة من الدخول إلى الحرب. ومضيق هرمز اليوم يهدد بأن يكون نسخة حديثة لهذا المستنقع، لكن بمخاطر مضاعفة بسبب التعقيد الإقليمي وتشابك القوى العالمية واللوبيات المؤثرة، ما يجعل كل خطوة أمريكية محفوفة بالمخاطر.

كل يوم يمر يرفع تكلفة النزاع ويجعل الحسابات أكثر تعقيدًا، ويزيد احتمال الانزلاق إلى صراع طويل يتطلب تمويلًا إضافيًا لتعويض المخزونات المستنزفة، وهو ما يضع إدارة واشنطن أمام معضلة حقيقية: استمرار الحرب يعني استنزافًا مستمرًا، والتراجع قد يصطدم بعقبات سياسية داخلية وخارجية.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن إدارة ترامب أخطأت في تقدير الحليف والعدو على حد سواء. إيران، التي اعتُبرت خصمًا محدودًا، تحولت إلى قوة استراتيجية صلبة، بينما أصبح الحليف في المنطقة عنصرًا مؤثرًا يعيد رسم توازنات القوى ويجعل الحسابات الأمريكية أكثر هشاشة وتعقيدًا.

الأرقام تكشف الوجه الآخر للصراع: العمليات العسكرية في الأسبوع الأول من الحرب على إيران كلفت الولايات المتحدة نحو 11 مليار دولار، مع تقديرات متصاعدة تصل إلى نحو مليار دولار يوميًا. هذه الكلفة ليست مجرد أرقام، بل مؤشرات على نزيف مستمر للموارد، واستنزاف لقوة لا تعرف حدودًا، وتهديد حقيقي لقدرة واشنطن على التحكم في مسار الأحداث.

دروس التاريخ من فيتنام إلى هرمز واضحة: القوة العسكرية وحدها لا تكفي. الحروب الطويلة تُخسر بالتراكم، السياسات تنهار تحت ضغط التكاليف المستمرة، وثقة صانع القرار تتآكل أمام واقع ميداني معقد. كل قرار غير محسوب تحت ضغط اللوبيات أو التحالفات يزيد المخاطر والاستنزاف، حتى تصبح الانتصارات الوهمية مجرد وهم، والهزيمة تراكمية بطيئة لا يلاحظها القادة إلا بعد فوات الأوان.

ختامًا، بين أمواج هرمز وذكريات فيتنام، تتضح الحقيقة القاسية: ليس حجم القوة هو ما يحدد مآل الصراع، بل الرؤية الواقعية للحسابات السياسية والاقتصادية، وفهم الخصم بدقة، وإدارة الموارد بعقلانية، وإدراك مخاطر الانزلاق إلى حرب طويلة بلا نهاية. كل يوم يمر في المضيق يذكّر أن الهزيمة ليست حدثًا مفاجئًا، بل مسار يبدأ بقرارات غير محسوبة، يتغذى على الضغوط، وينمو مع كل يوم استنزاف، حتى تصبح القوة نفسها عبئًا، بينما الخصوم الحقيقيون يظهرون في الوقت المناسب، مدركين هشاشة الحسابات الأمريكية، وقد يكون الاستنزاف الأمريكي بداية انهيار النفوذ الأمريكي والصهيوني في المنطقة.

قد يعجبك ايضا