ربما كان هذا العيد عيدا استثنائيا في أعياد الفطر المماثلة التي يحتفل بها المسلمون في كل بقاع الأرض، ذلك لأن هذا العيد الذي نحتفل به يومنا هذا يتغاير عن كل الأعياد من حيث التحول العميق الذي تشهده الأمة على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية وهو تحول سيكون من نتاج النشاط العسكري المحموم الذي لم يهدأ أواره أو يخمد منذ عقود من الزمن، فالصراع تحول إلى صراع وجود بين المسلمين والصهاينة وبين المسلمين والنظام الدولي الرأسمالي الذي تديره أمريكا.
تريد أمريكا أن تسلب الشعوب حريتها وسيادتها وتحول الدول في المنطقة العربية والإسلامية إلى دول وظيفية ترعى مصالح النظام العالمي وتقوم بحركة توازنات تحفظ للنظام العالمي ثنائية الهيمنة والخضوع في العالم والمنطقة، وتتماهي إسرائيل مع البعد الوظيفي وفي المقابل تدير صراع وجود لها في قلب العالم العربي والإسلامي، حتى يصبح وجودها حقيقة لا مراء ولا جدال فيه، وهي تعلن ذلك صباحا ومساء وتسعى مع أمريكا على تغيير خارطة الشرق وتدير حروبا بمساندة أمريكا أو بالشراكة معها لتحقيق مصفوفة من الأهداف في المنطقة العربية والإسلامية، وقد بدأ النشاط منذ العقد الأول من الألفية تمثل ذلك بحركة الاضطرابات والثورات واختلال المفاهيم، وشيوع الفوضى، وسقوط الأيديولوجيا، واحتلال اللغة، وتفكيك المجتمعات، وتعزيز فكرة الانقسامات الطائفية والعرقية، وبالحروب التي تدار هنا أو هناك بالوكالة، وتعميق الجراح بين الجماعات والطوائف، وزرع الشقاق، ثم بالتدخل العسكري المباشر الجزئي ثم بالتدخل الواسع كما هو في العدوان المعلن على إيران منذ أواخر فبراير 2026م وما يزال مستمرا وقد اتسع نطاق الحرب ليشمل رقعة واسعة من الجغرافيا العربية واغير العربية.
ولعل عيد الفطر المبارك لهذا العام سوف يكون نقطة تحول فارقة في التاريخ المعاصر، فالحرب التي تدور رحاها اليوم في المنطقة بين محور المقاومة بقيادة إيران وبين الكيان الصهيوني وأمريكا سوف تعيد ترتيب نسق العلاقات، وتفرض واقعا جديدا ونسقا جديدا وتصنع بنية علاقات جيوسياسية وديمغرافية جديدة ومتغايرة عما كان الحال عليه من قبل، وكل تحول سياسي أو اجتماعي أو ثقافي إذا لم يتم إدراكه والتعامل معه والسيطرة على مقاليده بما يحقق المصالح للشعوب سوف يتحول الى انكسار وهيمنة للأقدر والأقوى، فالحرب اليوم غيرها بالأمس ومقياس النصر فيها ليس كمقياس الأمس الذي كان يعتمد التفوق والقوة والفرض والهيمنة ،أما في عصر التطور التقني فالنصر يعتمد على القدرة المعرفية ،وعلى حجم تدفق المعلومات وتوظيفها للمصالح، وفتح مسارب إلى الغايات والأهداف، وتلك المسارب قد تكون مستترة لكنها قادرة على التدفق وفق رؤى علمية ومعرفة سابقة، وغالب الحروب اليوم تعتمد العلميات العسكرية المحدودة الأهداف التي تضرب الموانع أملا في انسياب وتدفق المصالح بزوالها، وفي الغالب تقاس الانتصارات في زمننا المعاصر بالنتائج المحققة على المدى القريب والبعيد، أما القياس الوقتي القائم على مقياس القوة فهو وهم وسراب ونتائجه غير واقعية.
أما المعركة التي تدور رحاها اليوم فهي في غالبها معركة قوة ردع وتوازن قوى وربما ترجح فيها كفة إيران، وقد يشكل البعد الاقتصادي بكل أبعاده، وهيمنة إيران على مضيق هرمز، وأثار الحرب على الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة العالمي ضغطا يعيد حسابات المعركة، تلك الحسابات عززت من قوة إيران الوجودية، ولذلك وجد المعتدون في مأزق وتخلوا عن هدف العدوان وهو القضاء على النظام في إيران بعد أم كانوا فرحين بالضربة الغادرة التي استهدفت عددا كبيرا من قادة الصف الأول، ولكنهم صدموا بالبناء العنقودي في هيكل المهام في النظام الإيراني ولذلك لم تترك الضربة الغادرة أثرا على مسار المعركة بل قوة وإصرارا على الانتصار فيها، وسوف تنتصر إيران.
أمريكا بعد مرور عشرين يوما من بدء المعركة تبحث عن حلول دبلوماسية وتواجه اليوم بشروط إيران ولا يملي الشروط إلا منتصر، وقد يكون عيد الفطر وإجازته نقطة تحول في مسار المعركة والله غالب على أمره وعيدكم مبارك.
