الأسرة / عادل حويس
تتجلى عظمة المرأة اليمنية في أبهى صورها مع إطلالة شهر رمضان المبارك، حيث تتحول حياتها إلى ملحمة يومية من العطاء الذي لا ينضب، مجسدة نموذجاً استثنائياً في الصبر وحسن التدبير. فهي «حارسة الروح» في البيت اليمني، والمناضلة التي توفّق بين التزاماتها المهنية وواجباتها الأسرية في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية بالغة التعقيد، لتصنع من شحّ الإمكانيات مائدة عامرة بالمحبة قبل الطعام.
تبدأ رحلة المرأة اليمنية في رمضان قبل بزوغ الفجر، ولا تنتهي إلا مع الساعات الأولى من اليوم التالي. وفي هذا الجدول الزمني المزدحم، تبرز تضحيات المرأة العاملة التي تغادر منزلها لتؤدي دورها في المؤسسات والمكاتب، ثم تعود لتنخرط في «نوبة عمل ثانية» داخل منزلها ومطبخها.
هذا التداخل بين المسار المهني والمسار العائلي لا يعكس مجرد قدرة على التنظيم، بل يكشف عن طاقة نفسية كبيرة تستمدها من إيمانها بدورها المحوري في الحفاظ على تماسك الأسرة وإدخال البهجة إلى قلوب الصائمين.
أما ربة البيت، فهي المهندسة الحقيقية للأجواء الرمضانية؛ إذ يقع على عاتقها عبء التخطيط لميزانية الأسرة في ظل غلاء المعيشة، مع الحرص على إعداد الوجبات التقليدية التي تمثل هوية المائدة اليمنية، مثل «الشفوت» و«السلتة» وغيرها. وهي مهام تتطلب جهداً بدنياً وذهنياً كبيراً، خاصة أمام حرارة الأفران في نهارات الصيام الطويلة.
ولا يقتصر دورها على إعداد الطعام فحسب، بل يتجاوزه إلى فعل رعاية متكامل، تسعى من خلاله إلى ترسيخ القيم الروحية والاجتماعية في نفوس الأبناء، وتعزيز الروابط الأسرية التي تزداد قوة في هذا الشهر الفضيل.
إن التقدير الحقيقي الذي تستحقه المرأة اليمنية لا ينبغي أن يقتصر على كلمات الثناء، بل يجب أن يُترجم إلى وعي مجتمعي وثقافة أسرية قائمة على المساندة والشراكة. فما تبذله من جهد مضاعف يستوجب وقفة إجلال لمكانتها، واعترافاً بأنها الركيزة الأساسية التي يستند إليها المجتمع اليمني في صموده.
فهي لا تُعدّ الطعام فحسب، بل تصوغ بصبرها وحكمتها ملامح البقاء والأمل، وتثبت يوماً بعد يوم أنها شريكة الجهد والقرار، وحاملة لواء التضحية في كل بيت وميدان عمل. ومع كل إفطار، يرتفع دعاء الصائمين بشكر خفي لهذه الإنسانة العظيمة التي جعلت من رمضان موسماً للحب والتفاني، لتظل المرأة اليمنية رمزاً سامياً لعطاء لا ينتظر مقابلاً.
