في المستوى الحضاري الذي نعيشه اليوم خيار الفناء موجود في مقابل خيار البقاء، والبقاء فيه ليس وفق المعادلة القديمة للأقوى، بل للأكثر فهما وتوظيفا لسيل المعلومات التي كانت تصنع، وأضحت في مراتب التوظيف لها من خلال القدرة على إدارتها وتحقيق مصالح الشعوب من خلال حسن الدراية والوعي المتفاعل مع مجريات الاحداث .
الاستثمار اليوم أضحى في الأفراد وفي الجماعات من خلال تنمية القدرات وتفجير الطاقات، والتفاعل مع قيم الإنتاج، وليس من خلال حالة الترهل في مؤسسات التكاثر الثقافي .
لا بد من الوعي بالمرحلة وصياغة مجموعة أهداف والقيام بالتحديث في بناء الكيانات والمؤسسات حتى تواكب المرحلة من أجل التحكم بمسارات المستقبل .
فمنذ أن كتب بريجنسكي كتابه «بين عصرين» والذي تحدث فيه قائلاً: إن الرأسمالية تواجه هزيمة أيديولوجية وفكرية كبيرة جداً، ويقول في سياق كتابه ذلك إن الحل الوحيد هو إحياء ما أسماه «الأصوليات الدينية» ودفعها للتصادم مع المنظومة الشيوعية والاشتراكية وحركات التحرر عندها – حسب رؤيته في مضمون كتابه الصادر في مطلع عقد السبعينيات- سوف تهزم الشيوعية والاشتراكية بقوة الأصوليات الدينية، وهزيمة تلك المنظومة ستوفر للرأسمالية الأمريكية فرصاً استراتيجية كبرى لإعادة تنظيم العالم تحت قيادتها.. ووفقاً لهذا المنطلق النظري تبنت السياسة الأمريكية منذ عهد كارتر الذي رأس أمريكا في الفترة من «1977م-1981م» خطة استراتيجية لدعم الأصوليات الدينية، ليس حباً في الدين وإنما من باب كراهية الشيوعية وحركات التحرر، ورغبة في حماية المصالح الاستراتيجية لأمريكا.
والملاحظ أنه في فترة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان والممتدة من «81م-1989م» تعاظم المد الأصولي وقويت الحركات الأصولية الدينية «الإسلامية واليهودية والمسيحية والهندوسية» في العالم كله، وذلك النشاط المستعر والمحموم أدى إلى تحقيق أهم الخطوات التمهيدية للسيطرة على العالم وتمثلت في تفكيك المنظومة الاشتراكية وإزالة العقبة الشيوعية، وإشعال أو استنزاف وشرذمة حركات التحرر في الأقطار العربية، وفرض شروط الاستسلام للصهيونية في فلسطين.
ومن نافلة القول إن الهدف من تلك الاستراتيجيات التي كانت تتبناها دوائر صنع القرار الأمريكي «الكونجرس والبنتاجون بكل منظومته الأمنية والعسكرية والاستخبارية» هو تفتيت وتفكيك العرب على أسس ما قبل الدولة الوطنية لتسهيل السيطرة عليهم، وذلك عن طريق العصبيات الطائفية والعرقية والحضارية لكون أمريكا وصلت إلى مرحلة الشيخوخة وأصبح نظامها الرأسمالي عاجزاً عن توفير احتياجات إمبراطورتيها وما لم يتم تمزيق العرب لتغذية الخلافات والصراعات بينهم فهي تدرك أنها ستكون عاجزة عن السيطرة على الموارد وبالتالي تزداد أزمتها البنيوية اتساعاً، ولذلك سعت إلى القضاء على محركات الثورة كالحركة القومية «حزب البعث»، وأعلنت حربها إلى العراق في مطلع عقد التسعينيات وكان حزب البعث هو حركة التحرر التي تهددها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لذلك أشعلت الفتن الطائفية في العراق وحروب الأديان حتى تستطيع فرض نمط يخلّصها من الصراعات ويبعدها عن شبح الانهيارات، وهي اليوم كما هو واضح للعيان، قد ساهمت في خلق إسلام سني يواجه بكل رباطة جأش الإسلام الشيعي ولم نعد نسمع عن الأزمات الاقتصادية التي كانت تبدو كشبح يهدد بنيتها الإمبراطورية بالفناء والتلاشي والاضمحلال، بل كادت أن تتجاوز تلك الأزمات بفضل حركة الدمار الشامل التي يقودها المسلمون ضد بعضهم بعضا، وبعد أمد لن يطول يصبح التوفيق بين المسلمين مستحيلاً، وتسعى الصهيونية العالمية إلى أن تكون المواجهة بين المعسكرين السني والشيعي أبدية لتصل إلى مرحلة التدمير الشامل وبحيث يتحول العرب والمسلمون إلى كتلة تاريخية محاربة لا تحب السلام والاستقرار، تحركهم الأحقاد والعصبيات والثأرات وهي حالة لا تنسجم مع حالة العالم ولا مع مصالحه، وعند هذه النتيجة قد ينشأ توافق عالمي على ضرورة القضاء على الإسلام باعتباره الحل الوحيد لإنقاذ العالم من شروره، كما ورد في بعض التصريحات .
مثل هذه الرؤى ليست من نسج الخيال ولكنها استراتيجيات مدركة وواعية، بيد أن العرب قوم لا يفقهون ولا يقرأون وهم يتعرضون لتلك المؤامرات ولكنها سوف تتكسر على صخور جبالهم وتنكسر الموجات على صلابة إرادة قاهرة هي الأقوى وهي إرادة الله.
خلال سالف الأعوام، أعلنت أمريكا الانسحاب من أفغانستان – وقد احتلتها على مدى عشرين عاما – هذا السيناريو يشير إلى تغير وتبدل في النظام الدولي، وهو نظام يسير على ذات المنهج إبان صراعه مع النظام الاشتراكي، حيث ترك أفغانستان لحركة طالبان، وهي حركة أصولية وقد أراد من خلالها ما أراده من غيرها في القرن الماضي.
فتسليم أمريكا أفغانستان لطالبان يأتي في السياق نفسه، أي أنها أرادت أن تحدث توازنا سياسيا مع الصين وإيران والهند وباكستان، وبالتالي السيطرة على الضفة المقابلة لبحر العرب وباب المندب، والسيطرة على جزيرة ميون، وجزيرة سقطرى، حتى تفرض حصارا على مشروع الصين الكبير الذي تسميه طريق الحرير، والصين اليوم تطلب من أمريكا أن لا تجعل منها عدوا متخيلا، لكن أمريكا لا يمكنها أن تدير العالم دون أن تخلق لها أعداء وهميين تصارعهم وتهرب إليهم من أزماتها البنيوية التي تتفاقم ويتسع خرقها كل يوم.
كانت أفغانستان هي مرتكز التحول في القرن العشرين، حيث من خلالها وبها تم القضاء على المنافس الشرس للرأسمالية واليوم يتم التعامل معها كثابت في تغيير الموازين السياسية، فهل ينجح النظام الدولي فيما ذهب إليه من اجتهاد، بعد أن رأت الدول الصناعية السبع في هذا المذهب طريقا لبقاء سيطرتها على مقاليد العالم؟ قابل أيامنا لا دابرها يحمل الإجابات، فربما كانت النهاية من حيث كانت البداية.
