هل بدأ انهيار الإمبراطورية الأمريكية بالانسحاب من الصحة العالمية؟

محمد عبدالمؤمن الشامي

 

 

لم يكن انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية مجرد قرار إداري أو مالي، بل خطوة تحمل في طياتها رسالة سياسية واضحة وعميقة: الإمبراطورية التي اعتادت التحكم بالعالم عبر أدوات نفوذ ناعمة بدأت تواجه قيودًا حقيقية لم يعد بإمكانها تجاوزها. لعقود طويلة، استخدمت واشنطن التمويل الصحي والإغاثي كأداة للهيمنة على الدول، حيث كانت تتحكم بالقرار الدولي من خلال التمويل والكوادر والمساعدات الموجهة، لتضمن استمرار النفوذ السياسي والاقتصادي دون الحاجة إلى اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة.
المثير أن هذا الانسحاب يكشف اليوم حقيقة واضحة: الأدوات التي بنت بها الولايات المتحدة نفوذها لم تعد فعالة كما كانت. التمويل الضخم لم يعد يضمن السيطرة، والمساعدات الإنسانية لم تعد تفرض الالتزام السياسي، والمنظمة التي كانت ساحة مركزية للهيمنة الأمريكية، صارت مجالًا مفتوحًا للقوى الدولية المنافسة. والولايات المتحدة لم تعد قادرة على استعادة هذا النفوذ بالشروط القديمة، وبهذا يصبح الانسحاب اعترافًا ضمنيًا بأن الهيمنة الأمريكية تواجه تحديات هيكلية عميقة، لم يعد بإمكانها تجاهلها.
الانسحاب الأمريكي يكشف أيضًا أزمة مالية وسياسية مزدوجة. على مدى سنوات، كانت واشنطن أكبر ممول لمنظمة الصحة العالمية، بما يقارب 680 مليون دولار سنويًا، بينها رسوم عضوية وتبرعات طوعية، إلا أن توقف التمويل بالكامل وترك ديون تتجاوز 130 مليون دولار، يعكس ليس فقط فقدان أدوات النفوذ، بل أيضًا عجزًا ماليًا أو عدم استعداد للاستمرار في نظام لم يعد يخدم مصالحها بنفس الطريقة السابقة. وبعبارة أخرى، الهيمنة بدون قدرة مالية فعالة تفقد قيمتها، والعجز المالي بلا أدوات نفوذ يسرع الانحدار ويكشف هشاشة الإمبراطورية.
من زاوية أوسع، الانسحاب من منظمة الصحة العالمية يشير إلى أفول القوة الناعمة للإمبراطورية الأمريكية. لعقود، تمكنت واشنطن من إدارة العالم بلا حروب مباشرة، فقط عبر التمويل والمساعدات المشروطة، والمواقع القيادية داخل المؤسسات الدولية. وهذا النهج مكّنها من فرض أجندتها الدولية، وتحويل المؤسسات الأممية إلى أدوات للضغط السياسي والاقتصادي، دون أن تشعر غالبية الدول بأنها تحت الاحتلال المباشر. اليوم، ومع فقدان هذه الأدوات، يواجه العالم الولايات المتحدة بلا وسطاء، لتتضح هشاشة النفوذ الأمريكي أمام صعود قوى جديدة قادرة على ملء الفراغ الدولي وإعادة تشكيل النظام العالمي.
الأمر الأكثر وضوحًا أن الانسحاب ليس مجرد خطوة مؤسسية عابرة، بل يمثل انعكاسًا لتغيرات هيكلية في ميزان القوى العالمي. فالولايات المتحدة التي كانت تصوَّر نفسها كقائدة للعالم الحر وراعية للعمل الإنساني، تتراجع اليوم عن واحدة من أهم أدواتها للهيمنة، لتكشف ضعف أسلوبها التقليدي في السيطرة على المؤسسات الدولية. هذا التحول يطرح تساؤلات جوهرية: هل الانسحاب يعكس فقدان الهيمنة، أم أنه نتيجة العجز المالي والسياسي، أو مزيج بين الاثنين؟
في المحصلة، يبدو أن الانسحاب الأمريكي من منظمة الصحة العالمية يجمع بين فقدان أدوات النفوذ التقليدية والعجز عن استثمارها. فقد كانت واشنطن تعتمد على التمويل والمساعدات والكوادر الأمريكية داخل المنظمة لتحقيق أهدافها السياسية، لكن مع تغير ميزان القوى الدولية وصعود لاعبين جدد، لم تعد هذه الأدوات تضمن السيطرة. وبات الانسحاب بمثابة اعتراف ضمني بأن الإمبراطورية الأمريكية لم تعد قادرة على إدارة العالم كما اعتادت، وأن الفراغ الذي تتركه سيصبح ساحة لتنافس القوى الدولية على النفوذ والهيمنة.
إن الأيام القادمة لن تكون مجرد استمرار لما سبق، بل مرحلة حاسمة يكشف فيها الانسحاب الأمريكي من منظمة الصحة العالمية هشاشة الإمبراطورية الأمريكية على المستويين السياسي والمالي. ففقدان أدوات الهيمنة التي بنيت عليها القوة الأمريكية، إلى جانب العجز المالي المتفاقم، يجعل سقوطها مسألة وقت فقط، عاجلًا أو آجلاً. وسواء كان السبب تفكك النفوذ أو نقص الموارد، فإن الانسحاب ليس مجرد قرار عابر، بل إشارة واضحة إلى أن الإمبراطورية الأمريكية بدأت فعليًا الانهيار، وأن العالم دخل مرحلة جديدة لا تعترف بالوصاية ولا بالهيمنة التقليدية، والأيام القادمة ستثبت أن الهيمنة التي كانت تُدار بالتمويل والسيطرة على المؤسسات لم تعد قائمة، وأن أي إمبراطورية تعتمد على النفوذ بلا قوة حقيقية أو استدامة مالية لن تصمد أمام التحولات الكبرى.

قد يعجبك ايضا