الشهيد الرئيسُ الصماد.. نموذج المشروع القراني

محمد فاضل العزي

 

لم يكن مجرد رئيسٍ مرَّ في تاريخ اليمن كعابرِ سبيل، ولم يكن رقماً يُضاف إلى قائمة الحكام بل كان صالح الصَّمَّاد أمةً في رجل وقرآناً يمشي على الأرض، وأسطورةً صاغتها العناية الإلهية لتكون حجةً على السلاطين والمسؤولين ومناراً للمستضعفين والمجاهدين . إنه النموذج الذي حين تقرأ تفاصيله، يتضاءل في عينيك كل بريقٍ للسلطة وتتمنى لو أن لك حظاً من تلك الروحية التي جعلت منه “رئيساً برتبة شهيد، وشهيداً بحجم وطن”.

أولاً: وِعاءُ القُرآن الحافظ والعامِل

لم يكن الصماد رئيساً يقرأ القرآن للبركة فحسب، بل كان حافظاً لكتاب الله، مستوعباً لآياته، متجسداً لأخلاقه. لقد كان صدره خزانةً للنور الإلهي، وعقله ترجماناً عملياً للهدى. حين يتحدث، تتدفق الحكمة من بين شفتيه كأنها الينابيع، وحين يعمل، يرى الناسُ آياتِ الله واقعاً ملموساً.

لقد جسد قوله تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49]. فلم يكن حفظه للحروف بل كان إقامةً للحدود، وتطبيقاً للمنهج، فكان قرآناً يتحرك وذكراً يحكم.

ثانيا :التَّجلِّي الأَسمى للمَشروعِ القُرآني

لقد كان الشهيد الصماد هو الثمرة الناضجة والبرهان الساطع على عظمة المشروع القرآني الذي أرسى مداميكه الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي “رضوان الله عليه”. لم يقرأ الصماد الملازم كمنهجٍ نظري، بل استوعب المسيرة القرآنية بكيانه ووجدانه حتى امتزجت بروحه، فصار هو “المشروع” في هيئة رجل.

لقد قدم الصماد للعالم أرقى وأبهى صورة للمشروع القرآني؛ مبرهناً للعدو والصديق أن مدرسة القرآن لا تخرج مقاتلين فحسب، بل تصنع قادة دول، وساسة حكماء، ورجال إدارة، ومنقذين للأمم. كان الصماد هو الرد العملي الذي دحض كل الافتراءات، مؤكداً أن هذا المشروع هو المخرج الوحيد لبناء دولةٍ عادلةٍ وقويةٍ ومستقلة.

ثالثا: زُهدُ “الجندي” في زمن التَّيجان

في سابقةٍ لم يعهدها تاريخ الرؤساء، أبى هذا القائد الفذ أن يرتدي “البدلة العسكرية” المثقلة بالرتب المعدنية والنياشين اللامعة. لقد داسَ بقدميه على بهرجة السلطة، واكتفى بأن يكون “جندياً من جنود الله القائل سبحانه وتعالى {وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } كان يرى أن الرتبة الحقيقية هي القرب من الله، وأن النيشان الأغلى هو رضا شعبه.

ارتدى “الجعبة” وتوشح البندقية، تاركاً أوسمة الذهب لمن يبحثون عن الدنيا، متمثلاً قول الله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].

رابعاً: موسوعةُ العِلْم.. مَنارَةُ السَّاسَةِ والعُلَماء

لقد بلغ به الرقي في الثقافة القرآنية مبلغاً جعل منه أعجوبة زمانه.

مع العلماء: حين يجالسهم، يجدون فيه بحراً لا ساحل له، فيقرون له بأنه الأعلم والأعمق فهماً، كأنما آتاه الله {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}، فكان يوجههم ويشد من أزرهم.

مع الوزراء: رأوا فيه رجل الدولة الأول، والسياسي المحنك الذي يدير أعقد الملفات بحكمة الأنبياء، لا بدهاء السياسيين المخادعين.

مع المجتمع: لم يترك فئة إلا وجالسها؛ المثقفون، الوجهاء، وحتى القطاع النسائي الذي أولاه اهتماماً خاصاً، موجهاً ومعلماً، مدركاً لدورهن العظيم في بناء الأمة.

خامساً: عابِدُ الليل.. وفارِسُ النَّهار

رغم أثقال الحكم التي تنوء بها الجبال، ورغم إدارة معركة ضد أعتى طواغيت الأرض، لم يكن للرئيس الصماد وقتٌ للراحة، ومع ذلك لم يُفرِّط في حظه من الله وتلاوته وتعليمه.

كان نهاره جهاداً، وليله قياماً. لا يترك وِرده القرآني، ولا يغفل عن قيام الليل والتهجد، يستمد من محرابه زاداً لمعركته. كان يقطع الفيافي والقفار لزيارة الجبهات، يغبر قدميه في سبيل الله، يعيش هموم المرابطين، مصداقاً لقوله تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}

سادسا: مؤسسا لمشروع وطني “يَدٌ تَبْنِي ويَدٌ تَحْمِي”

لم يشغله غبار المعارك عن رؤية المستقبل، فأسس أعظم مشروع وطني نهضوي لخصه في شعارٍ خلَّد ذكراه: “يدٌ تبني ويدٌ تحمي”.

لم يرد الدولة ثكنة عسكرية فقط، بل أرادها ورشة عمل وبناء، لقد جمع بين البأس الشديد في القتال، وبين العزم الأكيد في البناء، ليقدم أنموذجاً متكاملاً للدولة القرآنية العادلة.

سابعاً: النَّزاهةُ المُطْلَقة والعِفَّةُ البَيضاء

عاش نظيف اليد، عفيف النفس، زاهداً في حطام الدنيا. لم يبنِ قصراً، ولم يكنز مالاً، بل عاش ومات وهو يحمل همَّ الفقراء والمساكين. كانت نزاهته سياجاً حمى به المال العام، وعفته درساً للأجيال بأن المسؤولية مغرمٌ لا مغنم، وأن القائد الحقيقي هو من يخرج من الدنيا كما دخلها، إلا من أجرٍ عظيمٍ وذكرٍ حسن.

ثامناً: إجمَاعُ القُلُوبِ وفَجِيعَةُ الفَقْد..

لم تكن سلطة الرئيس الشهيد صالح الصماد مستمدةً من القرارات والمراسيم، بل كانت سلطةً روحيةً عجيبة، أسرتِ القلوبَ قبل أن تحكمَ الشعب. لقد وضع الله له “الودَّ” في الأرض مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} فاجتمعت الأمةُ، بكبيرها وصغيرها، على محبته والتعلق به، في ظاهرةٍ نادرةٍ لا تتكرر إلا مع العظماء الذين ذابت ذواتهم في ذات الله.

حبيب القلوب.. والرَّحيلُ الزِّلزال

حين ارتقى شهيداً، لم يكن النحيب حكراً على أهله وخاصته، بل بكاهُ الكُلّ. بكاهُ الجندي في مترسه، والمواطن في حقله، والطفل في مدرسته والمرأة في منزلها. لقد شعر الجميع في تلك اللحظة القاسية أنهم لم يفقدوا رئيساً فحسب، بل فقدوا أباً رحيماً، وقائداً ربانياً، ومرشداً قرانياً كان بلسماً لجراحاتهم.

كان رحيله “ثُلْمَةً” لا يسدها شيء، وشعر الناس أن ركناً شديداً من أركان اليمن قد هوى، وأن “عظيماً من العظماء” قد غادر دنيانا، تاركاً فراغاً لا يملؤه إلا الصبر واليقين.

خُلُودُ الكَلِمَة.. حِينَ رَدَّدَ العَدُوُّ صَدَى الصِّدْق

من عظمة هذا الرجل أن أقواله تجاوزت حواجز الولاء والبراء؛ فكلماته الخالدة (مثل مقولته الشهيرة عن مسح الغبار من نعال المجاهدين) لم تتردد فقط على ألسنة محبيه، بل رددها العدو قبل الصديق!

لقد أجبرتْ هيبتُه وصدقُه خصومَه على احترامه في قرارة أنفسهم، وأيقنوا أنهم أمام قامةٍ وطنيةٍ وإيمانيةٍ يستحيل شراؤها أو كسرها. لقد تحولت كلماته إلى دستورِ حياة، ومنهجية عمل، يرددها الجميع كأيقوناتٍ للكرامة والعزة، وكأن روحه الطاهرة لا تزال تخاطب ضمائرهم، وتُلهب حماسهم.

ختاماً:.

سلامٌ عليك يا سيدي الرئيس الشهيد صالح الصماد، يا من أتعبت الرؤساء من بعدك، ويا من أحييت فينا معاني الولاية الحقة. لقد كنت قرآناً تالياً، ومجاهداً بانياً، وعابداً زاهداً، فاستحققت أن يصطفيك الله شهيداً، لتبقى حياً في قلوبنا، مدرسةً نتعلم منها كيف تكون القيادة، وكيف يكون الفناء في الله.

قد يعجبك ايضا