غيّب الموت نائب رئيس دولة الوحدة المناضل علي سالم البيض رجل الوحدة الأول بامتياز، وصاحب العطاء الأوفر في سبيل تحقيقها، بعد أن قدّم التنازلات، وأخلص النيات، وصدق في التوجُّهات، وتجاوز العقبات، وتعامل بروح وطنية تواقة للوحدة بمعزل عن لغة المصالح والمنافع والمكتسبات، جاء إلى الوحدة برغبة صادقة في وحدة تنهي سنوات التشطير والانقسام والتشظي، جاء إلى الوحدة يحدوه الأمل في بناء دولة يمنية مدنية حديثة، يسودها النظام والقانون، الذي يخضع لهما الجميع دون استثناءات أو امتيازات.
جاء إلى الوحدة طواعيةً لتحقيق حلم ظل يراود اليمانيين في الشمال والجنوب لسنوات طويلة، رغم كل التحذيرات التي تلقاها، والتهديدات والضغوطات التي تعرّض لها، والتي كانت تصب في جانب إفشال مشروع الوحدة والحيلولة دون تحقيقها، ولكنه كان أكبر من كل تلكم التحذيرات والتهديدات والضغوطات؛ لأنه كان صادقًا في توجّهه ومساره الوحدوي، ولأنه كان مؤمنًا بالوحدة باعتبارها قدر ومصير كل اليمنيين من سقطرى والمهرة إلى صعدة، ولأنه يحمل في داخله الحرص على طي صفحة الماضي وإزالة براميل التشطير التي كانت شاهدةً على معاناة اليمنيين في المناطق الحدودية بين الشطرين خاصة، وبين اليمنيين في الشطرين كافة.
تحقّق الحلم وابتسم القدر لليمنيين شمالًا وجنوبًا بإعلان قيام الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990م الذي مثّل ميلادًا للدولة اليمنية الواحدة التي ناضل كل الشرفاء وسعوا من أجل تحقيقها. من استمع إلى خطاب فقيد الوطن المناضل علي سالم البيض في ميدان السبعين بالعاصمة صنعاء عقب إعلان الوحدة اليمنية يدرك جيدًا صدق وإخلاص هذا الرجل وهو يؤكد أن الوحدة اليمنية تحقّقت لتبقى للأبد بإذن الله، وأنه لا خوف على الوحدة بعد اليوم.
هكذا كان يؤمن انطلاقا من المعطيات المطروحة على الطاولة، وتلك المدونة على الورق ضمن أدبيات دولة الوحدة التي تمت المصادقة عليها من قبل شركاء الوحدة، ولم يكن يفكر ولو للحظة بالعودة إلى الانفصال والتشطير، ليبدأ مسلسل التآمر على الحزب الاشتراكي اليمني وقياداته من قبل الشركاء، الذين بدؤوا بانتهاج سياسة التهميش والإقصاء والاستهداف المباشر للقيادات الجنوبية واتخاذ قرارات فردية تسيء إلى الشريك الفاعل في الوحدة، والذهاب نحو المزيد من التصعيد والممارسات الاستفزازية، التي أفرغت الوحدة من مضامينها، وسلبت منها رونقها الجميل، ومشروعها الجامع لكل اليمنيين؛ ليجد الحزب الاشتراكي نفسه في وضع لا يحسد عليه، بعد أن بدأت أحلامه وتطلعاته في المشروع الوحدوي تتلاشى تدريجيًّا نتيجة السياسة الانتهازية للشركاء، والعنجهية التي تعاملوا بها في إدارة شؤون البلاد،
والذهاب به نحو الإقصاء المتعمّد والانقلاب على دستور دولة الوحدة.
حينها قرر الحزب الذهاب نحو الحوار وذهبت الأطراف اليمنية نحو توقيع وثيقة العهد والاتفاق في العاصمة الأردنية عمّان، ورغم ذلك ظل الشركاء يمارسون ذات السياسة وهو ما فجّر الموقف السياسي بإعلان الانفصال، وفجّر الموقف العسكري
باشتعال حرب صيف 94 التي جعل منها الشركاء فرصة لاستباحة الجنوب
والسيطرة المطلقة عليه تحت تأثير الفتاوى التكفيرية التي شكّلت الضربة الموجعة التي تعرضت لها الوحدة اليمنية في سنواتها الثلاث الأولى، ليبدأ الشركاء مرحلة تقاسم البلاد وإخضاعها للوحدة بقوة السلاح بعد أن تم التخلص من الشريك الرئيسي فيها وهو ما شكّل انحرافًا عن مسارها، وفتح الباب على مصراعيه، أمام سلطة الفيد لتحويل الجنوب إلى غنيمة حرب تقاسموا ثرواته، بسطوا على الأراضي والممتلكات وعملوا على مصادرتها وتملُّكها، وأطلقوا العنان لمشاريعهم التوسعية التي خلفت
حالة حنق غير مسبوقة على الوحدة، على الرغم من أن الأخيرة لم ترتكب جريمة، ولم تقترف ذنبًا في كل ما حصل.
خلاصة الخلاصة: لم يكن علي سالم البيض انفصاليًّا أو شطريًّا، ولكن سياسة سلطة الفيد والنهب أجبرته على تبنّي هذا الخيار عقب الانقلاب على مشروع الوحدة
الجامع، ولقد أدرك اليمنيون بعد سنوات من تحقيق الوحدة أن الأستاذ علي سالم البيض كان أكثر وحدويةً ووطنيةً بمفهومها العميق والمتجذر من غيره من شركاء الوحدة، لقد قدّم دولةً بكل ثرواتها ومقدّراتها من أجل إقامة دولة يفاخر اليمنيون بها، ولكن الشركاء لم يكونوا عند مستوى الثقة والمسؤولية، لقد كانت نظرية التآمر حاضرةً بقوة، حيث بدأ هؤلاء بسياسة الإقصاء؛ لأنهم يريدون السلطة – كل السلطة، والثروة كل الثروة، فجعلوا من الوحدة جسرًا للعبور، ومطيّةً امتطوها من أجل الوصول إلى ذلك، فسارت الأوضاع في المحافظات اليمنية الجنوبية والشرقية من سيئ إلى أسوأ، ولم يلمس أبناء تلكم المحافظات أي معالجات وحلول ناجعة لمشاكلهم ومطالبهم العادلة والمشروعة، وزاد الطين بلة بروز شخصيات انتهازية تدعي لانتماء للجنوب والدفاع عنه، فتحت الباب على مصراعيه أمام أعداء الوحدة واليمن واليمنيين، وحوّلت الجنوب إلى ساحة صراع ونفوذ خدمةً لأجندتهم ومشاريعهم الخاصة، وهو الأمر الذي أحجم عنه المناضل الراحل علي سالم البيض، رغم امتلاكه للمبررات التي تشرعن له ذلك حينها، ولكنه ثبت على موقفه الوطني، وظل ناصحًا لكل القوى اليمنية بضرورة إصلاح ومعالجة أوضاعهم ومشاكلهم بأنفسهم، وظل صوتًا للعقل والحكمة والمنطق الصواب.
والعاقبة للمتقين.
