تصارعوا في حضرموت والمهرة، وأغرقوا الناس أكثر في تداعيات هذا الصراع، احترقت كروتهم وزادوا في إذلال أنفسهم لمن لا يرغب في رؤية البلد في وضع استقرار وازدهار.
ولو إنهم تأملوا قليلا في ما حدث، ودخول السعودية والإمارات في محطات معينة لأدركوا بأنهم قد خسروا كثيرا، ليس على صعيد المكتسبات من الأرض والثروة، وإنما إفساد العلاقة فيما بينهم وهذا الأهم، فالمكونات صارت تعيش اليوم حالة خصومة بل وعداء شديد، ولو أُتيحت لأي فريق الفرصة للتخلص من البقية لما تأخر. لولا أن حسابات المحتلين ما تزال توجه المسارات نحو تأجيل انفجار الوضع.
لم يأت العمل بتوجيهات الخارج يوما بالخير للبلد. والاحتلال هنا يتعمد بحرص شديد الإمساك بالخيوط وزرع الشقاق، ولا يبدو انه سيحاول معالجة الجروح، فتناثر المكونات وتكاثر الأجندات والطموحات واختلاف الأهداف مسألة تصب في مصلحته.
ولو ان الجميع واحد، لما وصلت الأمور في المحافظات الجنوبية المحتلة إلى هذا المستوى المؤسف، ولما كانت إدارة البلد تتم من الخارج. وهو ما تقر به شخصيات وقيادات كانت وربما لا زالت مع ما تسمى الشرعية، تتحدث بكل جرأة واصفة ما يجري بالمخطط الهادف لتفتيت القوى الفاعلة بقصد التحكم بكل شيء أو على الأقل عدم تمكين البلد من الاستقرار.
هذه الأصوات الجريئة أيقنت أن رواية دعم ما أسموها بالشرعية ذهبت منذ أول صراع بين المكونات، ويدعم هذه القناعة أن وضع المحافظات الجنوبية والشرقية ظل دائما على “كف عفريت”، تدوير مستمر للأزمات، تدهور للعملة وغياب للخدمات، وحتى المرتبات التي لا تأتي إلا بشق الأنفس لا تغطي حاجة الناس مع الارتفاع الجنوني للأسعار.
كان بمقدور الرباعية – وهي المهيمنة على الحياة والقرار في المناطق الجنوبية والشرقية – أن تحدث التحولات الاستراتيجية في واقع الناس، إلا أن ما يبدو هو انعدام الرغبة لذلك، وربما لكونه لا يتوافق مع ماهو مخطط له في هذه المحافظات.
حتى ما يسمى بمؤتمر الرياض الجنوبي الجنوبي، يشكك الكثير في انه سيتمكن من إزالة أسباب الخلاف وإنصاف القضية الجنوبية وفق ما يرى فيه الناس هناك مصلحتهم، لأنه الذي يجري تحت إشراف خارجي، وهذا الخارج له مطامعه في البلد لم تعد خافية على أحد، ولن يترك الأمور تسير بعيدا عما يحدده.
الوضع أصبح بحاجة فعلية لاتخاذ قرار جريء يؤدي إلى مغادرة ذات العلاقة المتنافرة والتعصب للرؤية الخاصة، فهذه السياسة أثبتت عدم فاعليتها وقدرتها على الخروج بالمحافظات المحتلة من حالة التوتر الدائم.
الحاجة تتطلب اليوم عودة جميع اليمنيين إلى الصف الواحد، ورسم رؤية وطنية واحدة، تهدف أولا إلى الاستقلال بالوطن من أي أشكال التبعية. ثم تضع خطط التنمية والبناء بالاعتماد على القدرات الذاتية.
وليس هناك مستحيل فالمحافظات الحرة، قدمت نموذجا راقيا للتحرر والاعتماد على الذات، وأصبحت اليوم تثير قلق الطاغوت الأمريكي والإسرائيلي، ليس فقط لما صارت اليه في الجانب العسكري، وإنما أيضا للطموح في تأكيد الاستقلال من خلال إحداث نقلات في كثير من المجالات، وإن كانت لا تزال متواضعة بسبب العدوان والحصار المستمر.
وبالقياس على هذه التجربة رغم الاستهداف الذي تعرضت له هذه المحافظات، يتبين أنه لا يمكن تحقيق الطموحات الوطنية إلا متى تحرر كل البلد واصطف في مسار واحد ودمر كل أسباب الخلاف.
