اليمن ليس ساحة اختبارٍ للقوة، بل ميزانٌ يفضح أوهامها. ففي هذا البلد، لا تُختصر السلطة في مؤسسات، ولا تُقاس القوة بعتادٍ مستورد، بل تتجسّد في القبيلة؛ كيانٍ متكامل يولد وفي يده السلاح، وفي وعيه معنى الأرض، وفي ذاكرته تاريخٌ لا يعرف الخضوع.
كل قبيلة يمنية تكاد تكون جيشًا مكتمل الأركان.. رجالٌ مدرّبون بالفطرة، سلاحٌ حاضر، قيادةٌ عرفية صارمة، واستعدادٌ دائم للاشتعال عند المساس بالسيادة. وبعض هذه القبائل يفوق في عدده وعدّته جيوشَ دولٍ عربيةٍ كاملة، لكن الفارق الحاسم ليس في العدد، بل في الإرادة؛ فهنا يُقاتل الناس دفاعًا عن الكرامة لا تنفيذًا لأوامر.
من هنا، كان قرار أمريكا والسعودية والإمارات استهداف اليمن ذروة الغباء الاستراتيجي. لم يكن سوء تقديرٍ عابر، بل تجاهل فاضح لطبيعة مجتمعٍ لا يُحتل، ولتاريخٍ كل صفحاته مقاومة. محاولة إخضاع القبائل ليست سياسة، بل تهوّر، لأن من يجهل بنية اليمن يظن القصف حلًا، بينما هو في الحقيقة إعلانُ تعبئةٍ عامة.
في اليمن، تتحوّل الحرب إلى عقيدة، والقبيلة إلى حصن، والجبال إلى شركٍ قاتل للغزاة. ولهذا لم ينتصر المعتدون، ولن ينتصروا؛ لأنهم يقاتلون أرضًا تفهم السلاح أكثر منهم، وشعبًا إذا خُيّر بين الحياة بلا سيادة والموت بعزة… اختار أن يُعلّم العالم معنى الصمود.
