صراع الأقطاب.. فنزويلا ساحة «المقامرة الأخيرة» بين الهيمنة الأمريكية والطموح الصيني!!

الثورة / يحيى الربيعي

خلف ستار الدخان الكثيف في فنزويلا، لا تجري مجرد عملية عسكرية لاختطاف رئيس وزوجته، بل تدور رحى حرب عالمية ثالثة «باردة» في أدواتها، ساخنة في أهدافها، حيث يتحول الاقتصاد من لغة أرقام إلى سلاح دمار شامل. فنزويلا، التي تتربع على أكبر احتياطي نفطي مؤكد في الكوكب، ليست بالنسبة لواشنطن سوى «حديقة خلفية» يُمنع الاقتراب منها، بينما تراها بكين شريان حياة طاقوي لا يمكن الاستغناء عنه، وهو ما جعلها بؤرة الانفجار في سباق النفوذ الذي بدأ يتخذ طابعاً دراماتيكياً منذ عام 2019م.

تبدأ القصة من «هندسة الانهيار» التي مارستها واشنطن ببراعة؛ فحين أدركت أن 90 % من العملة الصعبة لفنزويلا تأتي من النفط، وجهت ضربتها القاضية لشركة النفط الوطنية، فجمّدت الأصول ومنعت التحويلات البنكية، ليس لإسقاط النظام فحسب، بل لخنق النفوذ الصيني الذي استوطن هناك. هذا الحصار أدى لتعطيل العملة ورفع التضخم، لتقدم أمريكا للعالم رواية «الحكومة الفاشلة»، بينما الحقيقة هي «حكومة صديقة للصين جرى إعدامها اقتصادياً». ومع مطلع 2026، تطور المشهد إلى تدخل عسكري مباشر واختطاف الرئيس مادورو، في خطوة تعكس ذعراً أمريكياً من فقدان السيطرة الكاملة على نصف الكرة الغربي.

هذا الكباش الجيوسياسي ليس معزولاً عن تاريخ «المناورات الكبرى»؛ ففي عام 2018، حين رفعت واشنطن الرسوم الجمركية على الصين إلى 25%، لجأت بكين لسياسة «الأرض المحروقة زمنياً»، ويرى مراقبون أن إعلان فيروس كورونا وما تبعه من إغلاق عالمي للموانئ والمصانع كان «فرملة صينية» للعالم أجمع، منحت التنين الوقت الكافي لنقل مصانعه إلى فيتنام والمكسيك والبرازيل، للالتفاف على الرسوم الأمريكية والحفاظ على الحصة السوقية. وفي المقابل، حاولت أمريكا تعويض خسائر الجائحة بإشعال فتيل الحرب الأوكرانية لقطع الغاز الروسي عن أوروبا وإحلال غازها بدلاً عنه، في صراع محموم على كل لتر طاقة ومسار تجارة.

اليوم، ينتقل الصراع إلى مرحلة «العظام المكسورة»؛ أمريكا تحظر الرقائق الإلكترونية لضرب التفوق العسكري الصيني، وبكين ترد بحظر المعادن النادرة لتعطيل ثورة الذكاء الاصطناعي الأمريكية، وصولاً إلى التصريحات الصادمة مؤخراً؛ حيث يتحدث ترامب بلسان «المالك» عن بيع نفط فنزويلا لروسيا ودول أخرى، بينما يؤكد وزير حربه بلهجة استعمارية فجة أنه «لا موطئ قدم للأجانب في نصف كرتنا الأرضية». وبينما تطالب الصين بضمان سلامة مادورو والإفراج عنه، يترقب العالم «الرد الصيني» القادم، فالتاريخ علّمنا أن بكين حين تُحاصر، تقلب الطاولة بطرق لا تتوقعها أجهزة الاستخبارات الغربية.

قواعد الاشتباك الجديدة..

بينما تقبع كاراكاس تحت وطأة التدخل العسكري الأمريكي المباشر، تُبدي بكين هدوءاً يسبق العاصفة، وسط تساؤلات دولية حارقة: هل تكتفي الصين بالبيانات الدبلوماسية المطالبة بالإفراج عن مادورو، أم أن الساحة بصدد «رد بالمثل» يعيد صياغة خارطة النفوذ العالمي؟ إن تحليل السلوك الجيوسياسي للتنين الصيني يشير إلى أن الرد لن يكون بالضرورة في جغرافيا فنزويلا، بل في النقاط الأكثر إيلاماً لواشنطن، وعلى رأسها مضيق تايوان، حيث تبدو «الحديقة الخلفية» للصين جاهزة لسيناريوهات تصعيدية قد تضع الهيمنة الأمريكية أمام اختبار الوجود.

السيناريو الأول والأكثر ترجيحاً يتجاوز التنديد الدبلوماسي نحو «الخنق التكنولوجي والملاحي»؛ فبكين التي تسيطر على مفاصل التجارة في بحر الصين الجنوبي، قد تلجأ إلى فرض «منطقة حظر ملاحي» أو إجراء مناورات عسكرية شاملة تطوق تايوان، كرسالة ردع مباشرة مفادها أن «العبث في فنزويلا سيقابله إغلاق لشركات الرقائق الإلكترونية في تايوان»، وهو ما يعني إصابة الاقتصاد الأمريكي في مقتله. هذا الرد «المتناظر» يهدف لإفهام واشنطن أن سياسة اختطاف الرؤساء والتدخل العسكري لم تعد تمر دون فاتورة باهظة تطال حلفاء أمريكا في شرق آسيا.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في «الانتقام عبر المعادن»؛ فإذا كانت أمريكا قد بسطت يدها على نفط فنزويلا، فإن الصين تملك المفتاح السحري لصناعات المستقبل. ومن المتوقع أن تُفعل بكين حظراً شاملاً وصارماً على تصدير العناصر الأرضية النادرة التي لا تستقيم بدونها صناعة الطائرات الحربية الأمريكية أو أنظمة الذكاء الاصطناعي، وفي هذه الحالة، ستجد واشنطن نفسها أمام «نصر عسكري» في فنزويلا يقابله «شلل تكنولوجي» في الداخل، مما قد يدفعها للتفاوض على صفقة كبرى تشمل الإفراج عن مادورو مقابل تأمين سلاسل التوريد.

وبالنظر إلى التصريحات المتغطرسة لوزير الحرب الأمريكي حول «نصف الكرة الأرضية»، يرى محللون أن الصين قد ترد بتعزيز نفوذها العسكري والسياسي في مناطق «الاشتباك» الأخرى، مثل دعم القوى المناهضة للهيمنة في الشرق الأوسط وأفريقيا، لإشغال واشنطن في جبهات متعددة تستنزف قدراتها اللوجستية والمالية. إن اختطاف مادورو وزوجته من قصرهم الرئاسي لم يكن مجرد عملية «كوماندوز»، بل كان إعلاناً بانتهاء عصر «الكياسة الدبلوماسية» وبدء عصر «القرصنة الدولية»، وهو ما قد يدفع الصين لمغادرة مربع «النمو الهادئ» نحو مربع «المواجهة الخشنة»، ما يجعل من عام 2026م العام الذي سيقرر من يملك الكلمة الأخيرة في إدارة موارد الكوكب.

 

 

قد يعجبك ايضا