الثورة/خاص
موازاةً مع حالة التضارب السياسي التي تعصف بالمشهد في عدن، تكشفت تفاصيل مالية صادمة تُزيح الستار عن آليات استغلال المجلس الانتقالي لنفوذه لفرض إملاءات مالية قسرية على الحكومة الموالية للتحالف، فبعد شهر واحد فقط من هندسة ما يُسمى بـ «المجلس الرئاسي» في أبريل 2022م، لم يتوانَ عيدروس الزبيدي عن فرض اشتراطات مالية باهظة خلال اجتماع عقده مع الحكومة، مطالباً بصرف 10 مليارات ريال شهرياً لصالح المجلس كشرط أساسي ومقايضة صريحة لاستمرار عمل الحكومة من داخل المدينة.
هذه العملية التي وُصفت بأنها تفتقر لأي غطاء قانوني، سلكت مساراً معقداً عبر تصنيف تلك المبالغ الضخمة كـ «مصاريف للمجلس»، ليبدأ نزيف الصرف الشهري من وزارة المالية مباشرةً عبر بند عائم، متنقلاً بين أروقة البنك الأهلي وبنك عدن المركزي وصولاً إلى بنوك تجارية خاصة، في مشهد يجسد بوضوح ارتهان المؤسسات السيادية لسلطة الأمر الواقع، ولم تتأخر الآثار الكارثية لهذا النهج عن الظهور في القطاعات المدنية، حيث جرى تجريف مخصصات التعليم والصحة والزراعة وتحويلها لتغذية نفوذ المجلس، ما أسفر عن شلل شبه تام في صرف رواتب الموظفين الذين باتوا ضحية مباشرة لهذا الاستنزاف الممنهج.
ورغم المحاولات التي أبداها رؤساء وزراء لاحقون، أمثال أحمد بن مبارك وسالم بن بريك، للحد من هذا الصرف أو التملص من أعبائه، إلا أن سطوة التهديد المباشر أجبرتهم على الانصياع والاستمرار، وهو ما يعكس -حسب تحليلات سياسية- حجم القبضة التي يفرضها «الانتقالي» على مفاصل الدولة المالية، وفي سياق هذا التردد الرسمي، تعالت أصوات إعلامية تطالب بوضع حد لهذا التغول، حيث دعا الصحفي فتحي بن لزرق إلى وقف كافة الجبايات غير القانونية وإغلاق شركتي النفط «إسناد» و»فقم» المملوكتين لعيدروس الزبيدي، واللتين تُلاحقهما اتهامات بإدخال الوقود منذ سنوات دون دفع أي ضرائب أو رسوم سيادية للدولة.
هذا المشهد القاتم لا ينفصل عن سياق أوسع يرى فيه محللون أن الاستحواذ على المال العام بات سمة مشتركة لمختلف الفصائل المدعومة من التحالف، بما في ذلك القوات التابعة طارق عفاش في الساحل الغربي، مما ضاعف الضغط على الموازنة العامة الهشة أصلاً، وجعل من موارد الدولة غنيمة لتقاسم النفوذ بدلاً من كونها وسيلة لتأمين الخدمات الأساسية، لتأتي الأزمة المالية الراهنة وصرف الـ 10 مليارات ريال شهرياً كصورة حية لكيفية تداخل الأطماع السياسية مع إدارة الموارد، في ظل تضارب البيانات الرسمية للمجلس المزعوم التي تفضح هشاشته المؤسسية وعجزه عن توحيد خطابه السياسي أمام حقائق الفساد المالي المعلنة.
