مثلت نقلة نوعية نحو الاكتفاء الذاتي:استراتيجية توطين الحليب ترفد خزينة الدولة بـ19 مليون دولار سنوياً وتقلّص فاتورة الاستيراد بنسبة 4.93 %
في السهول الاتهامية الشاسعة انطلقت شرارة «ثورة توطين المنتج المحلي» التي تهدف إلى كسر قيود التبعية الاقتصادية واستعادة السيادة الغذائية، مترجمةً الرؤية الاستراتيجية التي طرحها قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي حول ضرورة تنظيم التعامل مع النعم الإلهية وتجاوز العشوائية في استغلال الثروة الحيوانية. فبينما كان الواقع يرزح تحت وطأة الاستيراد الكثيف لمنتجات الألبان، جاءت الإستراتيجية الوطنية لتوطين صناعة الحليب ومشتقاته (NSLD) لتعيد صياغة المشهد الاقتصادي اليمني عبر تدخلات حكومية مدروسة بلغت قيمتها الإجمالية 8,803,333,450 ريالاً يمنياً خلال الفترة من يونيو 2023م وحتى نهاية عام 2025م.
الثورة / أحمد المالكي
نقلة نوعية
هذا الحراك المنظم أحدث نقلة نوعية في بنية الناتج القومي، إذ تشير المعطيات الدقيقة إلى أن المشروع نجح في تقليص فاتورة الاستيراد بنسبة 4.93 %، وهو ما وفر على خزينة الدولة مبلغاً قدره 18,974,572 دولاراً سنوياً، وفي ذات السياق، قفزت كميات الإنتاج اليومية من 16,470 لتراً قبل توقيع الاستراتيجية إلى رقم قياسي بلغ 157,000 لتر يومياً بنهاية عام 2025م، بموازاة زيادة هائلة في عدد المنتجين الذين ارتفع عددهم من 1,218 إلى 14,000 منتج، مما يعكس حيوية المجتمع وتفاعله مع خطط التمكين الاقتصادي.
تنفيذ دراماتيكي
ولم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة، بل جاء ثمرة سلسلة من التدخلات النوعية التي عززت “سلسلة القيمة للألبان”.. حيث يوضح ضابط سلسلة الألبان بوزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، خالد الشاحذي، في تصريح خاص لـ”الثورة” أن هذه الخطوات تمثل ركيزة أساسية في مواجهة السياسات دول الاستكبار التي تستهدف الأمن الغذائي، مؤكدًا أن الاستراتيجية لم تكتفِ بالتنظير، بل انتقلت إلى حيز التنفيذ الدراماتيكي عبر إنشاء مركزين نموذجيين لاستقبال وتجميع الحليب بتمويل من صندوق تنمية الحديدة، بالتوازي مع تعزيز البنية التحتية للأعلاف من خلال إنشاء مصنع للأعلاف المركزة للأبقار الحلوب بمدخلات محلية وبأسعار مخفضة عبر مؤسسة “يمن ثبات”، مضافًا إليه مصنع “عين اليمن” الذي يعتمد بجزء كبير من مدخلاته على الموارد الوطنية، لقطع الطريق أمام التلاعب بالأسعار العالمية.
دور محوري
وتكشف التفاصيل الميدانية عن دور محوري للجنة الزراعية والسمكية العليا التي قامت بشراء وتوريد معدات متكاملة لمصنع ألبان ومركزي تجميع، فضلًا عن توفير قطاعتين متنقلتين لتقطيع وكبس الأعلاف الخشنة، في حين دخلت هيئة التأمينات والمعاشات على خط المواجهة الإنتاجية بإنشاء مزرعة نموذجية لتربية الأبقار البلدية في تهامة بسعة 3000 بقرة سنوياً. وتشير البيانات الموثقة أن عدد منتجي الحليب ارتفع من ١٢١٨ منتج حليب إلى ١٤٠٠٠ منتج حليب، بعد عامين ونصف من استراتيجية توطين الحليب، حيث أن قيمة الحليب المورد إلى مصانع الألبان في الشهر تساوي ملياراً وتسعمائة ألف ريال ومتوسط نصيب الفرد الشهري من منتجي الحليب ١٣٥ ألف ريال.، ما ساهم في ضخ سيولة نقدية في الأسواق اليمنية تجاوزت 36.3 مليار ريال خلال عامين ونصف. وهذا الزخم الحكومي دفع بالقطاع الخاص إلى إعادة بوصلة استثماراته، حيث نجح برنامج التمكين الاقتصادي في تحويل 5 مزارع كبرى من استيراد وتسمين العجول الخارجية إلى تربية وتسويق الأبقار البلدية، في خطوة تعزز السيادة السلالية للثروة الحيوانية اليمنية.
ديمومة السلسلة
ولم تغفل الاستراتيجية الجوانب اللوجستية والصحية لضمان ديمومة السلسلة، حيث جرى تأمين 1100 عبوة لجمع الحليب و27 وسيلة نقل مبردة بتمويل مشترك من صندوق تنمية الحديدة واللجنة الزراعية والتحاد التعاوني الزراعي، إلى جانب رفد الميدان بـ 10 عيادات بيطرية عبر قروض للجمعيات التعاونية بتمويل من وحدة تمويل الحديدة. وبالتوازي مع ذلك، استثمرت الدولة في رأس المال البشري عبر تدريب 280 كادرًا في الصحة الحيوانية و120 مجمعًا للحليب على الاشتراطات الصحية الصارمة، فضلًا عن تأهيل وتأثيث مقرات 20 جمعية تعاونية زراعية في تهامة عبر مؤسسة بنيان التنموية، لضمان إدارة احترافية وشبكة إقراض فاعلة.
بعد اجتماعي
وفي أسمى تجليات البعد الاجتماعي لهذه الملحمة التنموية، وصل برنامج التمكين الاقتصادي إلى الفئات الأكثر تضررًا من العدوان والحصار، حيث تم إقراض 1500 مستفيد، من بينهم 1045 حالة، شملت جرحى ومعاقين وأسر شهداء ومستفيدي الزكاة والمتضررين من السيول في تهامة، ومنحهم أبقارًا إنتاجية ليكونوا جزءًا من درع اليمن الاقتصادي. إن هذا الحشد المتكامل والتدخلات التي طالت أدق مفاصل السلسلة، تؤكد أن اليمن يمضي بعزيمة لا تلين نحو تصفير فاتورة الارتهان للخارج، محولًا التحديات إلى فرص والاحتياج إلى اكتفاء، في رد عملي ومباشر على كل محاولات التركيع الاقتصادي.
وعلى صعيد البعد الصحي والاجتماعي، أتاح المشروع للمستهلك اليمني، الحصول على منتجات طبيعية طازجة من حليب الأبقار التهامية كبديل صحي آمن، تضمنت منتجات مصانع “نادفود” و”نانا” و”يماني”، بالإضافة إلى منتجات الجمعيات التعاونية في باجل وعبس. وفي ظل هذه النجاحات، تتجه بوصلة التوسع المستقبلي نحو محافظات حجة والمحويت وريمة وذمار وإب وتعز، بهدف تغطية فجوة الاستيراد التي تبلغ حالياً 69 %، حيث يحتاج المجتمع اليمني إلى نحو 1.37 مليون طن سنوياً من الألبان ومشتقاتها.
هذه المعركة الاقتصادية التي تدار في ميادين الإنتاج الزراعي، تؤسس لمرحلة جديدة من الاكتفاء الذاتي، حيث تطمح الخطط المستقبلية للوصول بالعمل في سلسلة القيمة للألبان ليوفر أكثر من 200,000 فرصة عمل، مع استكمال إنشاء مراكز استقبال الحليب في مديريات الزهرة والقناوص وبيت الفقيه وغيرها. ويبقى الهدف الأسمى هو تحويل الاستثمارات من خانة الاستيراد المرهقة للسيادة الوطنية إلى خانة الإنتاج المحلي القوي والمستدام، تجسيداً لنهج المقاومة الاقتصادية في مواجهة محاولات الهيمنة والارتهان للخارج.
