تسارعت الأحداث في المحافظات الجنوبية بشكل مذهل, انتهى واقع, وطرأ على المشهد السياسي هناك واقع جديد, بدأت الفكرة بمؤامرة على إخراج بعض القوى من المحافظات الشرقية لتحل محلها قوة عسكرية حديدة, وكان التوافق أن تذهب قوات من الانتقالي لاستلام المواقع العسكرية والأمنية في المحافظات الشرقية, وقضت التوجيهات بتسليم الانتقالي تلك المواقع, وتحركت قوات الانتقالي وارتكبت حماقات في حق الناس والمجتمع والجنود المرابطين في بعض المواقع العسكرية, وصاحب ذلك ضجيج إعلامي يتحدث عن الانتصار وعن دولة الجنوب, ثم لما طلب من الانتقالي الانسحاب من المواقع وتسليمها لقوات جديدة تسمى درع الوطن, وكانت الفكرة مبنية على إعادة ترتيب مسرح العلميات -كما قيل- أي يستلم ويسلم, بموجب خطة سابقة, لكن الانتقالي فضل التمسك بالانتصار الواهم باعتباره إنجازا عسكريا وأمنيا عجز عنه في السنوات الماضية, وجاءه على طبق من ذهب, وبدأ يخطط في احتجاز رشاد العليمي, الذي تمكن من الخروج من قصر المعاشيق وتوجه إلى السعودية ليبدأ مسرح العلميات في المواجهة العسكرية في حضرموت, وينهار الانتقالي في ظرف زمني لم يتجاوز الساعات القلائل, ثم تنسحب الإمارات من المشهد خلال ساعات من المواجهة .
تداعت المنظومة العسكرية والأمنية في بقية المحافظات الجنوبية, وقبل أن تصل أي قوات عسكرية إلى عدن، هرب قادة الانتقالي إلى جهات مختلفة تاركين فراغا أمنيا وعسكريا وإداريا، تداركه رشاد العليمي ومن خلفه التحالف في زمن قياسي ليطوي بذلك صفحة الانتقالي بشكل نهائي .
لم يكن الانتقالي يحمل مشروعا ثقافيا ولا اجتماعيا، بل كان فكرة سياسية انتهازية ركبت موجة القضية الجنوبية, واشتغل عليها لا لتحقيق مطالب الشعب في المحافظات الجنوبية، بل لتحقيق مآرب قديمة لدويلة الإمارات ومن خلفها الكيان الصهيوني, هذه المآرب بدأت منذ عقد التسعينيات من القرن الماضي بمصفوفة من الأحداث تمثلت في حرب صيف 94م ثم باحتلال أرخبيل حنيش, ثم بحركة جيش أبين, وتلت ذلك حادثة تفجير كول وغيرها من الأحداث التي كان للإمارات يد فيها سواء ظاهرة أم باطنة, ومن خلف الإمارات الكيان الصهيوني الذي يرتبط مع الإمارات بمصالح اقتصادية تتمثل في الشركات التجارية العابرة للقارات التي انتقلت من الهند إلى الخليج في قصة معروفة, ومن ثم فرضت لنفسها وجودا عسكريا، امنيا في الإمارات، تمثل في الشركات العسكرية والأمنية, وقد جلبتها إلى عدن وبعض المحافظات في الجنوب وشارك بعضها في المعارك مثل شركة بلاك ووتر، وظل بعضها يعمل تحت مظلة التحالف والانتقالي إلى لحظة الخروج من عدن خلال سالف الأيام .
وبتحليل السياق التقاطعي للأحداث في المحافظات الجنوبية منذ بدء العدوان على اليمن إلى اليوم، نجد أن فكرة القضية الجنوبية لم يعد لها وجود لانتفاء أسبابها ومسبباتها خلال عقد ونصف من الزمان، أي منذ أن تفجرت أحداث الربيع العربي في المجتمع العربي واليمني على وجه الخصوص, إذ أصبحت القضية الجنوبية قضية وطنية شاملة لا تستثني جهة من جهة بل تداخلت لتصبح قضية وطنية شاملة معقدة ومتداخلة، فنحن على مدى عقد ونصف من الزمان لم نفكر في مشروع بناء الدولة، لذلك وقعنا في عمق الأزمات المعقدة, ولم نستطع حل قضايا حقيقية ومعقدة ومتكاملة ومرتبطة ببعضها مثل فكرة الاستقلال, وفكرة تطوير المجتمع, وتحديث قانون حركة التغيير في الطبيعة والمجتمع, كما أننا نساهم بشكل أو بآخر في اختلال اللغة وتعويم مصطلحاتها ومفاهيمها خدمة للعدو المتربص، فالمحتل أصبح محررا والمحرر أصبح محتلا, والوطني في مفهومنا أصبح دخيلا والدخيل وطنيا, والحرية والاستقلال أصبحا عبودية واحتلالا, فكل شيء يمت إلى الشمال يتداوله الإعلام على أنه احتلال، في حين تنشط الشركات العسكرية والأمنية في ربوع الوطن في المحافظات الجنوبية ليصيح تحريرا, وتصمت المنظمات الحقوقية عن جرائم التعذيب والإخفاء القسري للجماعات والأفراد في عدن وفي غيرها من محافظات الجنوب, وقد فاحت روائحه لتزكم الأنوف وربما نقرأ الكثير من التفاصيل عن ذلك في قابل الأيام بعد أن سحبت الإمارات فرقها وغرف عملياتها من الجنوب في ظل ما نشهده من صراع نفوذ بينها وبين السعودية .
خلال سنوات الاضطراب وسيطرة القوى الجنوبية على مقاليد الأمور في عدن والكثير من المحافظات, أصبح أبناء الجنوب حكام المرحلة, وقدموا أنفسهم كدولة معترف بها دوليا, حاصروا المحافظات الشمالية ومنعوا عنها الغذاء والدواء ومقومات الحياة, ومارسوا شتى أنواع الظلم في حق الجماعات والأفراد في المحافظات الشمالية, وقاموا بتهجير الناس ومصادرة أموالهم واقتحام بيوتهم وقتلهم وتشريدهم, ومنعوا المسافرين وقتلوهم في الطرقات والشوارع والأزفة والحارات, وكانوا يقومون بالفرز الجهوي والمناطقي, وأحداث سيئون الأخيرة شاهدة إن كانت القضايا المماثلة قد شابها النسيان – أقصد ما حدث خلال السنين الخوالي – هذا فضلا عن نقل البنك والامتناع عن صرف مرتبات العاملين في سلك الدولة رغم الهبات والمساعدات والقروض الدولية التي سوف يعاني اليمن من تبعاتها شمالا وجنوبا ولم يستفد منها شعب الشمال، لكنه سوف يحاصر بها في المستقبل .
الجدلية التاريخية اليوم قائمة وقد دلت الأحداث الأخيرة عليها وهي لا يمكن لشعب الجنوب أن يكون دولة واحدة ومستقرة، فالوحدة أضحت احتياجاً جنوبياً وضرورة وطنية، وقضيتها اليوم هي حل القضايا المعقدة والشائكة وابتكار نظام جديد يخفف من عوامل الصراع ويعيد بناء دولة وطنية عادلة ومستقرة، أما فكرة القضية الجنوبية في سياق منفصل عن القضية الوطنية فهي اشتغال سياسي غير عادل وانتهازي يعزز عوامل الانقسام في المجتمع ولن تفلح.
