عندما تدور رحى الصراعات الكبرى، كثيراً ما يلجأ الفاعلون السياسيون إلى تحالفات تُحاك في دهاليز المصلحة الآنية، متوهمين أنهم قادرون على قيادة رقصة الخداع والانقلاب. تقدم المشهد اليمني منذ عام 2015 نموذجاً صارخاً لتحالفاتٍ بنيت على أسس هشة من المكر والغدر، حيث تحولت الأحلام التوسعية إلى مصائد ذاتية، وسقط من حاول ركوب الموجة على صخرة تناقض الأجندات ونبل الغايات.
فمنذ ما يقارب عام قبل الحرب، وجدت جماعة أنصار الله (الحوثيون) نفسها في تحالفٍ تكتيكي مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح. لكن هذا التحالف كان أشبه بسرير بروكوست، حيث كان لكل طرف أجندته المتعارضة تماماً. فمن جهة، سعى صالح – بحسب تحليلات كثيرة كما يذكر الباحث “حسين الصديقي” في كتابه “اليمن: تشريح أزمة” – إلى استخدام هذه الشراكة كأداة لتصفية حسابه مع خصومه الذين أطاحوا به عام 2011، وإعادة تأهيل نفسه سياسياً وعسكرياً. فلقد تصور ببراغماتية ماكرة، أنه سينقلب على حلفائه الحوثيين متى ما اكتملت قوته، ليعود إلى كرسي الحكم. غير أن قدره انتهى بمأساة دموية في ديسمبر 2017، لاقى فيها المصير ذاته الذي أوقعه بكثير من خصومه طوال عقود من حكمه، مكراً بمكر، وكما قال المثل العربي: “من حفر حفرة لأخيه وقع فيها”.
وفي الجهة المقابلة، خاض المجلس الانتقالي الجنوبي مغامرة تحالفية لا تقل خطورة، معتقداً أن تحقيق حلم الانفصال يمر عبر ركوب موجة التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات. لقد تناسى، أو تناوسى، أن هؤلاء الحلفاء الجدد هم أنفسهم من كانوا شركاء في صناعة «القضية الجنوبية» وتهميشها لعقود، كما يوضح المؤرخ « فؤاد الخوري «. وتوهم قادة المجلس أن « صكوك الولاء « المقدمة للخارج، والمتمثلة في الترحيب العلني بالتطبيع مع الكيان الصهيوني واسترضاء اللوبيات المؤثرة في واشنطن، هي مفتاح سحري لتحقيق مشروعه. لكن هذه الاستراتيجية أوقعته في فخ التبعية الكاملة، وتحول من فاعل طامح إلى أداة في لعبة إقليمية أكبر، كما كشفت تقارير « مجموعة الأزمات الدولية «، حيث باتت قدرته على المناورة شبه معدومة ومصيره رهناً بإرادة حلفائه.
إن قراءة هذين المشهدين المتوازيين تقدم لنا عبرة جوهرية، فلا يمكن لمشروع سياسي أن ينهض وينتصر إذا تشكلت وسائله من طين المكر والخديعة والمداهنة. فالأهداف النبيلة لا تتحقق بوسائل قبيحة، وإلا كانت ثمارها مرّة وسريعة العفاء. وأبلغ مثال على ذلك هو علي عبدالله صالح نفسه، الذي رفع لسنوات شعار «الوحدة اليمنية» النبيل، محارباً الانفصال. لكنه، وكما برهنت ممارساته في حرب صيف 1994 ومرحلة ما بعدها – والتي وثقها تقرير «هيومن رايتس ووتش» عن انتهاكات تلك الفترة – لم ينظر إلى الوحدة إلا كـ”غنيمة” و”ضم قسري”، وسيطرة على مقدرات الجنوب لتمكين عصابته الحاكمة. لقد كسب الحرب عسكرياً، لكنه زرع بذور الحقد والتمزق التي أثمرت بعد 17 عاماً فقط بانفجار انتفاضة 2011 ثم الحرب اللاحقة، فكانت تلك خسارة مؤجلة الدفع، جَلَبَ استحقاقها دماراً شاملاً.
في المقابل، وعلى الرغم من كل الجدل المحيط بهم، تمثل تجربة أنصار الله درساً آخر. فبغض النظر عن الموقف من آيديولوجيتهم، فإنهم قدموا – حسب روايتهم ومنظور مؤيديهم كما يصوره كتاب «الصمود: حرب اليمن من الداخل» لـ «أحمد عبد الملك»- نموذجاً لجماعة تملك مشروعاً إيمانياً واضحاً بعدالة قضيتها المقاومة، وحولتها من قضية جماعة إلى قضية وطنية بل وإقليمية وإسلامية أيضاً في نظر قطاع عريض. مكّنهم هذا الوضوح العقيدي وتحديد العدو من الصمود في وجه ست حروب، وتجاوز منعطفات خطيرة، والتحول من حركة مذهبية محلية إلى لاعب رئيسي على خريطة المنطقة. لقد اختاروا طريقاً شائكاً مليئاً بالتضحيات، لكنه في نظر التحليل السياسي الموضوعي البحت اتسم بنبل الهدف والمقصد (التحرر من الهيمنة)، مما منحهم مرونة صمود غير متوقعة وفتح لهم أبواباً في أحرج الأوقات.
باختصار.. تكشف معادلة الصراع في اليمن حقيقةً سياسيةً أزليةً لبها يقول “أن النصر ليس حليف صاحب القضية العادلة فحسب، بل هو حليف من تتطابق نبل غايته مع نبل وسيلته”. فالمشروع الذي ينبت من بذور الغدر والخداع والتبعية، مصيره الاضمحلال والانهيار، حتى لو ارتدي أثواب الشعارات البراقة. أما المشروع الذي يربط مصيره بإرادة شعبه، ويصر على مقاومة الهيمنة بوسائل واضحة (ولو كانت عسكرية في حالة الحرب)، فإنه يكتسب شرعية صمود تمنحه عمراً أطول وقدرة على اجتياز العواصف، بغض النظر عن اتفاقك أو اختلافك مع مبادئه. فالوسائل الدنيئة، كما تثبت التجربة، تلوث الغايات حتى النبيلة منها وتقوضها من الداخل.
