كان عام 2025م عاما مثخنا بالجراح محملا بأوجاع ثقيلة وأحزان متراكمة، كأنه مر على البشرية وهو يجر خلفه خيبات كبرى وانكسارات موجعة.
عام تهاوت فيه القيم تباعا وتعرت فيه الأخلاق وانكشفت هشاشة الشعارات التي طالما رفعت باسم الإنسان، فبدت مجرد لافتات جوفاء تسقط عند أول اختبار حقيقي.
بدا العالم خلاله كمن فقد بوصلته الأخلاقية أو كمن قرر عن سابق إصرار أن يدير ظهره للعدالة ويغض الطرف عن الحقيقة ويصمت أمام الألم حين لا يكون الألم ألماً خاصا به.
في هذا العام لم تكن المآسي أخبارا عابرة، بل مشاهد يومية تبث على مرأى ومسمع من العالم حتى غدا الوجع مشهودا بلحظته وصوته وصورته يفوق قدرة القلب على الاحتمال ويثقل الوعي الجمعي بقدر هائل من القهر والعجز.
كانت فلسطين جرحا مفتوحا في ضمير الإنسانية واختبارا أخلاقيا فادحا، سقط فيه النظام الدولي ومعه سقط أدعياء الحياد وسقطت منظومات ادعاء حماية الإنسان، فبدت انتقائية صماء أمام صراخ الضحايا سريعة، حين يتعلق الأمر بالمصالح بطيئة حد العمى، حين يكون الدم عربيا أو فلسطينيا.
عام 2025م لم يكن فقط عام دم ودمار، بل عام خذلان واسع، خذلان من القريب قبل البعيد ومن الشعارات قبل المواقف ومن المؤسسات قبل الأفراد.
عام انكشفت فيه حقيقة عالم تحكمه موازين القوة لا موازين القيم وتدار فيه الكوارث بمنطق الأرقام والبيانات الباردة لا بمنطق الضمير والمسؤولية. تراجع فيه الإحساس بالأمان لا على المستوى الجغرافي فحسب، بل على المستوى القيمي والغذائي والإنساني، حتى بدا الإنسان معلقا بين خوف دائم ومستقبل غامض.
وفي زحمة هذا السقوط، تعمق الشعور بالإحباط والعجز، ذلك الإحساس القاسي بأن الصوت لا يصل وأن الاحتجاج لا يغير وإن العدالة مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
توحش الكل على الكل أفرادا وأنظمة وغابت الرحمة بوصفها قيمة جامعة، لتحل محلها لغة المصالح ومفردات الإقصاء وسياسات الإفقار والتجويع ومصادرة الأحلام. كان عاما لم يكتف بكشف القبح، بل أصر على تعميمه، حتى خيل لكثيرين أن العالم فقد حسه الإنساني إلى غير رجعة.
ومع ذلك ورغم هذا السواد الكثيف، يبقى الأمل فعل مقاومة ويبقى الدعاء آخر ما يتمسك به المقهورون حين تغلق في وجوههم أبواب الأرض.
اللهم إنا نسألك عاما جديدا يغاث فيه الناس وفيه يعصرون عاما ترمم فيه الكسور وتستعاد فيه بعض العدالة الغائبة وترد فيه للإنسان كرامته التي أهدرت طويلا. عاما جديدا ينعم فيه أهل اليمن وأهل فلسطين بالسلام والاستقرار والخير وتطوى فيه صفحات الحرب والمعاناة وتفتح نوافذ الحياة على مصراعيها.
لعل العام الجديد 2026م يكون فرصة لمراجعة هذا الانحدار وإعادة الاعتبار لمعنى الإنسان، لا كشعار يرفع، بل كقيمة تحترم وحق لا يقبل المساومة.
فالتاريخ لا يرحم والذاكرة الإنسانية لا تنسى وما سجل في عام 2025م سيبقى شاهدا على زمن سقطت فيه القيم، لكنه قد يكون أيضا بداية صحوة طال انتظارها.t
