في ظل التوسع الأمريكي اللامحدود، تعيش الساحة الدولية موجة جديدة من العربدة السياسية التي تتجاوز الأعراف الدبلوماسية والقوانين الدولية، وتجعل من سيادة الدول وشعوبها مادةً للابتزاز الجيوسياسي والاقتصادي. ما يحدث اليوم تجاه فنزويلا يكشف مجددًا عن وجه أمريكا الحقيقي، حين تحاول بسط نفوذها في أمريكا اللاتينية عبر أساليب رخيصة، تبدأ بالتحريض وفرض العقوبات، ولا تنتهي بمحاولات اختطاف الشرعية السياسية أو التدخل في مصير شعب اختار طريقه بوعي وصمود.
فنزويلا تحديدًا تشكل هدفًا استراتيجيًا مغريًا للولايات المتحدة، ليس فقط من حيث الموقع الجيوسياسي، بل بما تملكه من ثروات هائلة، وعلى رأسها أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم. الأطماع الأمريكية في الذهب الأسود الفنزويلي لم تكن يومًا خفية، بل هي المحرك الأساسي لكل السياسات العدوانية تجاه كاراكاس. ومن الطبيعي أن تسعى واشنطن لفرض سلطة عميلة، تخدم مشاريعها وتؤمن لها الوصول السهل للموارد، وهو ما يفسر محاولاتها المتكررة لإضعاف النظام القائم، وتحريض الداخل والخارج ضده.
ما يُقلق في المشهد ليس فقط السلوك العدواني لواشنطن، بل الصمت الدولي المريب، وغياب المواقف الرادعة من دول كبرى لطالما تباهت بأنها تقف ضد الهيمنة الأمريكية، لكن مواقفها خجولة أو محسوبة بمقياس المصالح. روسيا، التي شكلت لسنوات حائط صد أمام مشاريع التفتيت، تبدو اليوم منشغلة بجبهات أخرى، فيما تمارس الصين حسابات دقيقة، تتجنب فيها المواجهة المفتوحة حفاظًا على أسواقها ومبادلاتها التجارية. هذا التراخي في دعم الحلفاء، خاصة لدول مثل فنزويلا أو سوريا أو كوبا، يكشف عن مرحلة جديدة من إعادة التموضع الدولي، حيث أصبحت المصالح أولوية على المبادئ، وهو ما يترك فراغًا خطيرًا قد تملأه أمريكا بجرأة ووقاحة.
التهديد الأمريكي الجديد، المتمثل بمحاولة فرض “الشرعية البديلة” أو الدفع بوجوه مصنّعة سياسيًا، يعكس استخفافًا بالشعوب وخياراتها، ويؤكد أن الولايات المتحدة لا تتورع عن استخدام كل الوسائل، بما فيها دعم الانقلابات أو الحرب الناعمة أو العقوبات الاقتصادية الخانقة، لفرض هيمنتها، كما حصل في عدة دول من قبل. لكن الأخطر أن هذه السياسات أصبحت تتم بغطاء إعلامي مكثف، يشرعن التدخل، ويجعل الضحية تبدو كأنها المعتدية.
وسط هذا المشهد، تبقى الشعوب هي الحصن الأخير للسيادة والكرامة. فالشعب الفنزويلي الذي خبر الحصار والعقوبات والمؤامرات، يدرك أن معركته ليست فقط ضد الخارج، بل من أجل كرامته ومستقبله واستقلاله. كما يدرك كثيرون أن مواجهة هذا التمدد الأمريكي لا يكون إلا بكشفه وتعرية أهدافه أمام العالم، وتوحيد الصفوف لمقاومته بكل السبل الممكنة.
ويبقى السؤال المطروح بإلحاح: إلى متى يستمر الصمت؟ وإلى متى تبقى الموارد والثروات مبررًا لتفكيك الدول وفرض الوصاية عليها؟ وهل سنشهد صحوة حقيقية من قبل القوى الدولية الكبرى، أم أن زمن التوازنات انتهى، وبدأت مرحلة الاصطفاف خلف الأقوى؟ في ظل هذا الغموض، تبقى الحقيقة الوحيدة أن الولايات المتحدة ماضية في مخططها، وأن الردع لن يكون إلا بيد الشعوب الواعية وقياداتها الصامدة.
