هل أيقظت دماء الفلسطينيين ضمير الغرب ؟

محمد عبدالمؤمن الشامي

 

لم يكن اليوم الأول لعمدة نيويورك زهران ممداني يومًا عاديًا في روزنامة السياسة الغربية، ولا مجرد بداية بروتوكولية لولاية بلدية في مدينة كبرى. كان يومًا كاشفًا، فاضحًا، ومحرجًا في آنٍ واحد، خصوصًا حين تحوّل قرار بلدي يتعلق بحرية المقاطعة وإلغاء تعريف سياسي مثير للجدل لـ«معاداة السامية» إلى عاصفة هجوم صهيوني عابر للقارات. هنا، لم يكن الغضب بحجم القرار، بل بحجم ما يمثّله. أن يقرر عمدة نيويورك، في يومه الأول، رفع القيود عن مقاطعة تل أبيب في الأرض المحتلة الفلسطينية، فهذا يعني أن واحدة من أكثر المدن الغربية ارتباطًا بالمزاج السياسي والإعلامي المؤيد للكيان الصهيوني بدأت تراجع المسلّمات. أما إلغاء اعتماد تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة (IHRA) لمعاداة السامية، فكان الضربة الأشد، لأنه استهدف الأداة الأخطر التي استُخدمت لسنوات لإسكات أي نقد موجّه لسياسات الاحتلال في الأرض المحتلة الفلسطينية. ردّ فعل وزارة خارجية الكيان الصهيوني جاء سريعًا، حادًا، ومألوفًا في لغته. حديث عن «كشف الوجه الحقيقي»، واتهامات بـ«صبّ الزيت على نار معاداة السامية»، وكأن تعريفًا سياسيًا صيغ لخدمة أجندة معينة بات مقدسًا، وكأن حرية المقاطعة جريمة أخلاقية، لا موقفًا سياسيًا مشروعًا. هذا الهجوم لم يكن دفاعًا عن قيم، بل دفاعًا عن احتكار السردية. السؤال الجوهري هنا: لماذا كل هذا الهلع؟ هل لأن القرار سيغيّر واقع الاحتلال؟ بالتأكيد لا. هل لأنه سيقلب موازين القوى؟ أيضًا لا. بل لأن الخطر الحقيقي يكمن في كسر القاعدة الذهبية التي فرضها الكيان الصهيوني على الغرب: «انتقادنا معاداة للسامية، ومقاطعتنا كراهية، ومساءلتنا خط أحمر». حين تُكسر هذه القاعدة في نيويورك، فإن الصدى لا يبقى محليًا. دماء الفلسطينيين، التي سالت بلا توقف في غزة والضفة وسائر الأرض المحتلة الفلسطينية، لم تعد تُقابل بالصمت نفسه. لم تعد الرواية الصهيونية قادرة على تغطية المشهد وحدها. صور الأطفال تحت الركام، والمجازر المنقولة على الهواء، والازدواجية الفاضحة في المعايير الغربية، كلها دفعت قطاعات متزايدة في المجتمعات الغربية—لا في الشوارع فقط، بل داخل المؤسسات—إلى طرح السؤال الذي كان محظورًا: هل نحن شركاء بالصمت؟ لكن في المقابل، لا يمكن التعاطي مع قرار ممداني بسذاجة رومانسية. فالغرب بارع في إنتاج «مسرحيات أخلاقية» عند اشتداد الضغط، دون أن يغيّر جوهر سياساته. كم مرة تحدّث عن حقوق الإنسان بينما يسلّح الاحتلال في الأرض المحتلة الفلسطينية؟ وكم مرة ذرف دموعًا سياسية ثم عاد إلى التمويل والحماية في مجلس الأمن؟ من هنا، يصبح الشك مشروعًا: هل نحن أمام صحوة ضمير حقيقية، أم مجرد تنفيس مؤقت لغضب الرأي العام؟ الفارق هذه المرة أن القرار لم يصدر عن ناشط، ولا عن جامعة، بل عن مسؤول منتخب في موقع حساس. وهذا ما يزعج تل أبيب في الأرض المحتلة الفلسطينية. فحين تنتقل الأسئلة من الهامش إلى المركز، ومن الشارع إلى المؤسسات، تفقد أدوات التخويف فعاليتها. تهمة «معاداة السامية» لم تعد تعمل آليًا كما في السابق، لأن الإفراط في استخدامها كشف فراغها السياسي. نيويورك لم تعلن القطيعة مع أحد، لكنها قالت شيئًا بسيطًا وخطيرًا: المقاطعة حق، والنقد مشروع، والتعريفات المسيسة ليست قوانين طبيعية. هذا بحد ذاته كسر في الجدار، حتى لو حاولت تل أبيب في الأرض المحتلة الفلسطينية ترميمه بالصراخ والبيانات. في الخلاصة، قد لا تكون هذه الخطوة ثورة، وقد لا تغيّر سياسات الغرب بين ليلة وضحاها، لكنها مؤشر واضح على أن دماء الفلسطينيين لم تعد مجرد أرقام في نشرات الأخبار، وأن الرواية الصهيونية لم تعد مطلقة السيطرة. بين صحوة الضمير والمسرحية السياسية، تبقى الحقيقة واحدة: الخوف اليوم ليس في نيويورك، بل في تل أبيب في الأرض المحتلة الفلسطينية. لكن السؤال يبقى: هل ستستمر هذه الصحوة وتتُرجم إلى مواقف فعلية في الغرب، أم أنها ستظل مجرد مسرحية رمزية؟ وهل ستكشف الأيام القادمة عن سقوط الهيمنة الصهيونية على السرديات الغربية، أم ستعيد تل أبيب في الأرض المحتلة الفلسطينية السيطرة على المشهد كما في الماضي؟ الأيام القادمة وحدها ستجيب.

قد يعجبك ايضا