في عالمٍ يضجّ بالشعارات القانونية البراقة والمواثيق الدولية المعلّقة على الجدران، تهاوت القيم التي طالما تَغنّى بها الغرب والعالم المتحضر. لعقود، أُشربت الشعوب مصطلحات مثل العدالة الدولية، حقوق الإنسان، سيادة القانون، الفقه الدولي، حتى بدت كأنها حقائق مطلقة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
لكن الحقيقة المرة أن هذه المبادئ سرعان ما تنهار أمام المصالح الكبرى، وتسقط حين تتعارض مع إرادة القوى العظمى.
من روّج للقانون الدولي هو أول من ينتهكه، ومن صاغ مواثيق حقوق الإنسان هو أول من يدهسها تحت أقدام الجيوش، ومن يدّعي حماية الأقليات يبارك الإبادات الجماعية إن كانت في صالحه والأمثلة كثيرة في واقعنا ؛ فلسطين، العراق، أفغانستان، اليمن، سوريا، أفريقيا… والقائمة تطول، كلها شواهد حية على أن القانون الدولي لم يكن يومًا ميزان عدل، بل أداة يُستخدم متى خدم، ويُنسى أو يُعطّل متى عارض المصالح. السؤال الجوهري هنا هو: ما البديل إذًا؟
القول الفصل؛ لا بد من الرجوع إلى الإسلام الحق، الإسلام الرباني، لا المؤدلج السياسي، ولا المستورد من تجارب مغلوطة. الإسلام الذي أخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور المعتقدات إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.
لماذا الإسلام؟
لأن الإسلام لا يتبدل بتغير الحاكم، ولا يخضع لإملاءات مصالح الشركات، ولا يساوم على حقوق الإنسان وكرامته، ولا يُفرّق بين البشر على أساس العرق أو اللون أو اللغة. هو دين كرامة الإنسان، ودين المساواة أمام القضاء، ودين الرحمة والعدل، والشورى، والتكافل، والحرية المسؤولة.
قال تعالى: « لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ «. صدق الله العظيم، فالميزان في الإسلام إلهي، لا سياسي، ومنهج العدالة فيه لا يخضع لتصويت أو فيتو أو رغبة الدول الكبرى.
إن ما نشهده من انهيار للقيم القانونية والسياسية في العالم، هو نتيجة طبيعية لانفصال الإنسان عن منهج الله، ومحاولته إرساء العدالة بمعزل عن خالقه النتيجة؛ ظلم شامل، حروب، نفاق دولي، وأسواق تُباع فيها القيم لمن يدفع أكثر.
خلاصة القول، من أراد عدلًا لا يُشترى، وكرامة لا تُمنح من الطغاة، فليعد إلى نهج الله. ومن أراد سيادة حقيقية، فليحكم بشرع الله، لا بمقررات مجلس الأمن. ومن أراد أن يرفع رأسه أمام الأمم، فليتبع هدي القرآن الكريم، لا خطابات الأمم المتحدة.
فالقول الفصل باقٍ ما بقيت السماوات والأرض! الإسلام هو المنهج، والعدل لا يتحقق إلا به، ومن ابتغى العدل في غيره أُذلّ وضاع وهان.
