لماذا لا تغادر أمريكا الشرق الأوسط؟

محمد عبدالمؤمن الشامي

 

الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط ليس حدثًا عابرًا أو استجابة ظرفية لأزمات مؤقتة، بل هو نتاج عقيدة استراتيجية متجذرة منذ منتصف القرن العشرين، وما زالت تتكرر بأدوات وأساليب مختلفة. مبدأ أيزنهاور، الذي أعلن عام 1957م لحماية المنطقة من “الخطر الشيوعي”، شكّل أول تجسيد لهذه العقيدة، وما زال جوهرها قائمًا اليوم، حتى مع تغيّر المسميات والأساليب، وصولًا إلى سياسة ترامب في العصر الحالي.

حين أُعلن مبدأ أيزنهاور، كانت المنطقة تعيش فراغًا سياسيًا بعد العدوان الثلاثي على مصر، وتراجع النفوذ البريطاني والفرنسي، فتقدمت الولايات المتحدة لتقدّم نفسها “حامية للاستقرار”، لكنها في الواقع دشّنت مرحلة الهيمنة المباشرة. فقد ربطت واشنطن أمن المنطقة بأمنها القومي، وحوّلت السيادة الوطنية إلى ملف قابل للتأجيل باسم حماية الدول من نفوذ الشيوعية، متخذة من الدعم الاقتصادي والعسكري أداة أساسية لفرض نفوذها.

ومع انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي، لم يُسدل الستار عن الحضور الأمريكي في المنطقة، بل استبدلت الروايات: الإرهاب، أسلحة الدمار الشامل، حماية الملاحة الدولية، مواجهة نفوذ قوى إقليمية صاعدة… بينما بقي جوهر العقيدة الأمريكية واحدًا: ضمان الهيمنة والسيطرة على موارد المنطقة وممراتها الاستراتيجية، وخلق توازنات دولية تصب في مصلحتها. وكان جزء من هذه الاستراتيجية دائمًا مرتبطًا بالحفاظ على الكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة كحليف رئيسي للنفوذ الأمريكي، وداعم لمصالحها السياسية والأمنية في المنطقة.

التحوّل الأبرز لم يكن في الهدف، بل في أدوات التنفيذ. بعد عقود من التدخل العسكري المباشر الذي أثبت تكلفته السياسية والبشرية، لجأت واشنطن إلى استراتيجية أكثر دهاءً: حروب الوكالة. لم تعد الحاجة ملحة لتكون في الواجهة دائمًا؛ يكفي أن تُدار الصراعات من الخلف، بتمويل ودعم أطراف محلية، وتركها تستنزف بعضها البعض، فيما تمسك هي بخيوط اللعبة وتتحكم بالنتائج الكبرى، بما في ذلك دعم الكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة لتعزيز نفوذها الإقليمي وحماية مصالحها.

في هذا الإطار، أصبح الاستقرار هدفًا ثانويًا، أو مجرد غطاء؛ فقد أصبح إدارة الفوضى أفضل وسيلة للحفاظ على النفوذ. شرق أوسط مستقر، مستقل القرار، موحّد الإرادة، لا يخدم العقيدة الأمريكية، بينما منطقة منقسمة، متصارعة داخليًا، تعيش صراعات إقليمية متشابكة، تظل بحاجة دائمة إلى “الوسيط الأمريكي” و”الضامن الأمني”، مع استمرار دور الكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة كعنصر رئيسي في استراتيجيات الضغط والتحكم.

ترامب، بصفته الرئيس الأمريكي الحالي، ورث هذه العقيدة ولم يحاول التخلي عنها، بل أعاد صياغتها بطريقة عملية وواقعية. فقد ركّز على استراتيجيات القوة الذكية: دعم حلفاء مختارين، تحفيز حروب الوكالة، وفرض عقوبات اقتصادية صارمة، مع الاحتفاظ بالخيارات العسكرية المباشرة عند الضرورة القصوى. السياسة تحت قيادة ترامب تظهر أن واشنطن ما زالت تعتبر أي غياب من المنطقة بمثابة تراجع استراتيجي، يعكس ضعفًا في نفوذها العالمي، بينما يبقى الكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة شريكًا أساسيًا في الحفاظ على هذه الهيمنة.

ورغم أن بعض الأنظمة في المنطقة رضخت طوعًا أو قسرًا لهذا الدور، إلا أن التحولات الأخيرة كشفت حدود هذه المعادلة. فحروب الوكالة، مهما طال أمدها، لا تنتج طاعة دائمة، بل تولّد مقاومة محلية وإقليمية تكيفت مع الواقع، وطورت أدواتها، وكسرت احتكار القوة. وهنا بدأت واشنطن تشعر أن شرق أوسط اليوم لم يعد الساحة المضمونة كما كانت في عقود سابقة.

الوجود الأمريكي اليوم، إذاً، ليس علامة على النجاح، بل على الخوف من الفراغ. فالانسحاب يعني الاعتراف بتآكل النفوذ، وصعود قوى إقليمية لا تقبل الإملاءات التقليدية، وانهيار سردية “القيادة العالمية”. ولذلك، يتمسك الاستراتيجيون الأمريكيون بعقلية أيزنهاور: البقاء بأي ثمن، والتدخل تحت أي عنوان، من دعم حكومات ضعيفة، إلى التحالف مع جماعات مسلحة، إلى فرض حصار اقتصادي، وصولًا إلى حروب مباشرة عند الضرورة القصوى، مع ضمان استمرار الكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة كأداة أساسية للضغط الإقليمي.

والسؤال الأكثر أهمية هو “لماذا لا تغادر أمريكا الشرق الأوسط؟”، بل: هل يمكن لهذه العقيدة أن تستمر بلا تكلفة؟ التاريخ يعلمنا أن العقائد التي لا تتكيف مع تحولات الواقع تتحول من أدوات قوة إلى أسباب سقوط. مبدأ أيزنهاور بدأ بوعد الحماية، وتحول إلى سلسلة من الحروب والانتدابات غير المنتهية، وربما يكون اليوم شاهدًا على أن زمن الهيمنة المطلقة يقترب من نهايته، حتى وإن تأخر الإعلان الرسمي.

الشرق الأوسط، رغم كل الأزمات والجراح، لم يعد مسرحًا ساكنًا تُدار منه القرارات من الخارج، بل أصبح ساحة صراع على السيادة والمعنى والمستقبل. الحاضر يكشف أن حروب الوكالة، التي طالما اعتُبرت أداة ذكاء أمريكية، لم تعد تضمن الاستقرار أو الولاء، بل أنتجت مقاومة متصاعدة وقوى إقليمية جديدة قادرة على تحدي النفوذ الأمريكي بشكل متزايد، رغم الدعم المستمر للكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة.

في النهاية، يظل الدرس الرئيسي: العقائد، مهما كانت قوية، لا تبقى قائمة إلا إذا تكيّفت مع الواقع المتغير. وشرق أوسط اليوم، بمقاومته وصراعاته ووعيه المتزايد، يختبر هذه العقيدة بحدة. مبدأ أيزنهاور الذي وُلد في خمسينيات القرن الماضي، قد يظل حيًا في عقل السياسة الأمريكية، لكن عمليًا، المنطقة تتغير، ومعها تتغير قواعد اللعبة.

لن تغادر أمريكا الشرق الأوسط إلا بتكاتف أحرار العرب مع محور المقاومة، الذي أثبت قدرته على تحدي النفوذ الأمريكي وفضح أدواته، وحماية السيادة الوطنية ضد الهيمنة الخارجية. فالمعادلة واضحة: استمرار السيطرة الأمريكية مرتبط بالضعف والانقسام، بينما الوحدة والمقاومة تصنع مستقبلًا جديدًا يفرض معادلات القوة الإقليمية ويحد من قدرة أي قوة خارجية على فرض إرادتها.

 

 

قد يعجبك ايضا