الاحتلال يتقاتل على الغنيمة: كيف كشفت المحافظات الجنوبية والشرقية حقيقة المشروع السعودي-الإماراتي وفضحت مرتزقته؟

 

لم يعد ممكناً التعامل مع ما يجري في المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة بوصفه “خلافات داخل تحالف العدوان والاحتلال”، فالمشهد الذي انفجر إلى العلن خلال الأشهر الأخيرة لم يكن سوى المرحلة المكشوفة من صراع احتلالين على أرض واحدة، السعودية والإمارات، اللتان دخلتا اليمن تحت عناوين براقة، وجدتا نفسيهما اليوم في مواجهة مباشرة على تقاسم النفوذ والثروة، بعدما استنفد خطاب ما يسمى “الشرعية” و“الدعم” أغراضه، وسقطت أوراق التغطية واحدة تلو الأخرى.

الثورة / مصطفى المنتصر

مسار الأحداث يبين أن ما يسمى تحالفاً لم يكن في جوهره سوى تفاهم مؤقت بين قوتين أجنبيتين، لكل منهما مشروعها وأدواتها وأطماعها، وأن المحافظات المحتلة تحولت إلى مختبر عملي لهذا الصراع، فحين اختلف المحتلان، لم يترددا في تعطيل المطارات والموانئ وقتل وتشريد الآلاف من أبناء المحافظات الشرقية والجنوبية المحتلة، وشل الاقتصاد، وتحويل حياة المواطنين إلى رهينة، في سلوك لا يصدر إلا عن قوة احتلال لا ترى في الأرض سوى مورد، ولا في الإنسان سوى تفصيل يمكن تجاوزه.
الاحتلال بالوكالة وإدارة الفوضى
الإمارات، التي أدارت وجودها عبر شبكة مليشيات متعددة المسميات، قدمت النموذج الأوضح للاحتلال بالوكالة، وربطت مشروعها بالمحتل الصهيوني، وجرى تصنيع مليشيا مسلحة موازية، مُنحت السلاح والمال والنفوذ، وربطت مصيرها بغرف عمليات خارج اليمن. هذه التشكيلات لم تنشأ لحماية المجتمع، بل لإخضاعه، ولم تستخدم لبناء استقرار، بل لفرض أمر واقع يخدم السيطرة على الموانئ والجزر والسواحل وخطوط الطاقة لصالح الكيان الصهيوني، وكلما تعارضت مصالح الرعاة، كانت هذه المليشيات أول من يُدفع إلى الواجهة لإشعال الفوضى أو إغلاق المنافذ أو فرض الحصار المحلي.
السعودية وإعادة إنتاج المليشيات بغطاء “الشرعية”
في المقابل، لم تكن السعودية بعيدة عن هذا المشهد، وإن اختلف الأسلوب. فالرياض، التي رفعت ما يسمى راية “الشرعية”، عملت عملياً على إعادة إنتاج ذات المليشيات تحت لافتات واهية، في محاولة لإضفاء غطاء قانوني على واقع احتلالي. لم تبن مؤسسات مستقلة، ولم تمكن أبناء اليمن من اتخاذ أي قرار وطني حر، بل جرى تكريس التبعية عبر مرتزقة تدار ولاءاتهم بالمال والموقع، ويعاد توزيعهم وفق حاجة الصراع لا وفق مصلحة اليمن.
وما يعري هؤلاء المرتزقة، أن مرتزقة السعودية لا يختلفون عن مرتزقة الإمارات إلا في الراية، فالجميع يعمل خارج إرادة الشعب، والجميع يستخدم كورقة ضغط، والجميع يسقط عند أول تعارض بين الرعاة. وحين احتدم الخلاف بين الاحتلالين، ترك هؤلاء المرتزقة مكشوفين، يتبادلون الاتهامات، ويكشفون من حيث لا يدرون حقيقة الدور الذي أسند إليهم، دور الأداة لا الشريك.
وتكشف الوقائع الميدانية أن الصراع لم يكن يوماً على “الأمن” أو “مكافحة الإرهاب”، بل على من يتحكم بحضرموت، ومن يضع يده على المهرة، ومن يسيطر على شبوة وسقطرى. النفط، الموانئ، المواقع الاستراتيجية، كانت هي العناوين الحقيقية، أما الشعب فكان الغائب الأكبر عن حسابات الاحتلال.
تعطيل المطارات والموانئ.. النفط والموانئ جوهر الصراع
تعطيل المطارات والموانئ، شكل ذروة هذا الانكشاف. فحين تغلق المنافذ الحيوية بقرار سياسي، وحين يستخدم الاقتصاد كسلاح في صراع خارجي، فإن ذلك يرقى إلى سلوك احتلالي مكتمل الأركان لا يمكن لقوة تدعي دعم اليمن أن تجعل سيادته أول ضحايا خلافاتها، ولا لمرتزقة يدعون الوطنية أن يصمتوا وهم يرون لقمة عيش الناس تستخدم كورقة تفاوض.
ولا يمكن أن نتوقف هنا، بل نضع السؤال الجوهري؛ من يدفع الثمن؟ الإجابة واضحة في شوارع المدن المحتلة، وفي معاناة المواطنين، وفي ثروات تنهب باسم “الشراكة”، وفي قرار وطني مصادر. وفي المقابل، يتأكد أن الرهان الحقيقي ليس على تفكك التحالف، بل على وعي أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية، وقدرتهم على إدراك أن اختلاف المحتلين لا يعني نهاية الاحتلال، وأن تعدد المرتزقة لا يمنحهم صفة وطنية.
تصعيد مفتوح ومعركة وعي
لقد تعرى المشروع السعودي-الإماراتي بالكامل، وبات واضحًا أن اليمن لم يكن سوى ساحة صراع مصالح. ومع هذا الانكشاف، تصبح معركة اليوم هي معركة وعي وسيادة، لا معركة شعارات. فإما استمرار الارتهان والنهب تحت مسميات جديدة، أو استعادة الحق في الأرض والثروة والقرار الوطني، ورفض الاحتلال بكل أشكاله وأدواته.
حضرموت تشتعل.. الصراع يخرج إلى العلن
وتشهد المحافظات اليمنية المحتلة، خصوصًا محافظة حضرموت شرقي البلاد، تصعيدًا غير مسبوق في حدة الصراع بين السعودية والإمارات، ترجم ميدانيًا إلى اشتباكات مسلحة بين مليشيات “درع الوطن” المدعومة سعوديا ومليشيات “المجلس الانتقالي الجنوبي” المدعومة إماراتيًا، إلى جانب غارات جوية سعودية استهدفت مواقع للانتقالي.
واندلعت مواجهات عنيفة داخل معسكر الخشعة بوادي حضرموت، تزامنًا مع تحليق مكثف للطيران الحربي، قبل أن يعلن ما يسمى محافظ حضرموت المرتزق من السعودية سيطرة مليشيات “درع الوطن” على معسكر اللواء 37 وغيره، أكبر قاعدة عسكرية في المحافظة، وسط تحركات لتعزيزات عسكرية باتجاه مناطق العبر وثمود ورماة.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات تأتي في سياق رفض “الانتقالي الجنوبي” لإعلان عملية عسكرية تهدف إلى انتزاع المعسكرات الخاضعة لسيطرته في حضرموت، في ظل اعترافات سعودية بخلافات متصاعدة مع قيادات الانتقالي، شملت إغلاق مطار عدن ومنع هبوط طائرة سعودية رسمية، ما ينذر بمزيد من التصعيد خلال الساعات القادمة.

قد يعجبك ايضا