الصومال بين ضجيج الرفض وهدوء التواطؤ

هاشم عبدالجليل جحاف

 

يتشكّل اليوم شبهُ إجماعٍ عربيٍّ وإسلاميٍّ رافضٍ للخطوة الصهيونية العدوانية تجاه الصومال، إجماعٌ يعلو صوته في المنابر والبيانات، ويمنح انطباعًا أوليًّا بأنّ الموقف الجماعي حاضر.

غير أنّ هذا الضجيج، على كثافته، لا يخفي حقيقةً مقلقة: أن الرفض ما يزال حبيس اللغة، وأن الفعل غائبٌ أو مؤجَّل، وكأنّ العدوان يمكن أن يتراجع احترامًا للعبارات لا خوفًا من تبعاتها.

فالعدوان حين يُواجَه بالكلام وحده، لا يتوقّف، بل يختبر حدود الصمت العملي، والتجربة السياسية الحديثة تُثبت أن العدو لا يقيس المواقف بحدّة الخطاب، بل بكلفة الاستمرار.

وحين لا يرى كلفةً حقيقية، يتحوّل الإجماع اللفظي إلى هامشٍ آمن، وتتحوّل الإدانات إلى غطاءٍ يسمح له بتثبيت خطواته وفرض وقائع جديدة على الأرض.

الصومال اليوم لا يحتاج مزيدًا من بيانات الشجب، ولا عناوين موسمية سرعان ما تخبو، بل يحتاج موقفًا صريحًا يترجم الرفض إلى أدوات ضغط ملموسة: تحرّك سياسي منسّق، مسار قانوني فاعل، ودعم سيادي واضح يحصّن قراره الوطني ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة اختراق أو نفوذ معادٍ.

فالقضية هنا ليست شأنًا محليًّا معزولًا، بل حلقة في معادلة أمن إقليميٍّ مترابط، وأي شرخ فيها سينعكس على الجسد العربي والإسلامي بأكمله.

إنّ ترك الصومال في مواجهة هذا المسار العدواني تحت لافتة “الإجماع” لا يرقى إلى الحياد، بل يقترب من التواطؤ الصامت.

فالمشاريع العدوانية لا تتحرّك ارتجالًا، بل تدرس ردود الأفعال، وتقرأ ما بين السطور، وتفهم أن غياب الفعل هو رسالة سماح غير معلنة بمزيد من التقدّم.

من هنا، تبدو اللحظة الراهنة لحظة اختبار حقيقي: إمّا أن يتحوّل الرفض المعلن إلى قوة ضغط تُحسب حسابها، أو يبقى مجرّد ضجيجٍ إعلاميٍّ يتلاشى مع أول منعطف.

ففي عالم المصالح القاسية، لا وزن لموقفٍ لا يحمي سيادة، ولا قيمة لإجماعٍ لا يفرض معادلة ردع.

وفي الخلاصة، ليس المطلوب رفع الصوت أكثر، بل كسر صمت الفعل، فالتاريخ لا يتذكّر من أكثروا من الإدانات، بل من امتلكوا الجرأة لتحويل الموقف إلى ممارسة، والرفض إلى ثمنٍ يدفعه المعتدي، والعدوان، في نهاية المطاف، لا يخشى الضجيج… بل يخشى ما بعده.

 

قد يعجبك ايضا