عام ينتهي وآخر يبدأ.. الوطن أولًا

محمد عبدالمؤمن الشامي

 

في لحظة التحوّل الزمني الفاصلة، حيث ينتقل الوجود الجمعي من دورةٍ مكتملة إلى أخرى مشرعة على كل الاحتمالات، تتقدّم أسئلة الهوية والانتماء والغاية إلى صدارة الوعي: ما الذي يحوّل الجغرافيا إلى وطنٍ يُدافع عنه بالأرواح؟ وما الذي يمنح المستقبل معناه وقيمته؟

الجواب الجوهري يختصره مبدأ واحد لا يقبل الالتباس: الوطن أولًا.

ليست هذه العبارة شعارًا عاطفيًا يُستدعى عند المنعطفات، بل فلسفة وجود، ومنهج مقاومة، واستراتيجية بناء. فالأمم التي تجعل من أوطانها مركز الثقل في قراراتها، لا تقع في فخ التبعية، ولا تتحول إلى هوامش في خرائط الآخرين، ولا تفقد بوصلتها في زحام الصراعات الدولية. إنها أمم تكتب تاريخها بإرادتها، وتصوغ مستقبلها على قياس كرامتها وسيادتها.

وفي بلادنا العزيز اليمن، تَجلّت فلسفة “الوطن أولًا” بأوضح صورها في خطابات ومواقف السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، التي ارتقت بالخطاب من مجرد توصيف سياسي إلى رؤية وطنية استراتيجية شاملة. مواجهاتٌ لم تكتفِ بقراءة الحدث، بل أعادت بناء الوعي الجمعي على أساس الفهم والتحليل، وكشفت بجرأة خرائط الاستهداف ومراكز القرار، وربطت ما يجري في الداخل اليمني بمساراته الإقليمية والدولية. وبهذا، لم يعد المتلقي متفرجًا على الوقائع، بل شريكًا واعيًا في إدراك المعركة، ومسؤولًا في موقعه عن حماية الوطن وصناعة موقفه.

لقد شكّلت هذه الخطابات آليةً فاعلة لنقل شعار “الوطن أولًا” من مستوى اللفظ إلى مستوى الوعي المنظَّم والفعل المدروس. فهي أكدت أن معركة الدفاع عن الوطن لا تُخاض في ميادين القتال وحدها، بل تمتد إلى الاقتصاد، والتعليم، والإعلام، والثقافة، وأن كل مواطن هو جندي في موقعه، مسؤول عن حماية الجبهة التي يقف عليها.

كان عام 2025 اختبارًا عمليًا قاسيًا لهذا المبدأ. عامٌ تبيّن فيه أن الوعي يسبق السلاح، وأن وضوح الرؤية يصنع الفارق بين ردّة الفعل العابرة والفعل الاستراتيجي القادر على قلب المعادلات. وقد أثبتت التجربة أن الأمة التي تفهم طبيعة معركتها، وتتوحد حول هدفها، تستطيع أن تفرض حضورها، وتُجبر العالم على إعادة الحساب.

واليوم، ونحن نستقبل عامًا جديدًا، فإن الصفحات البيضاء التي يحملها لا تنتظر الأمنيات، بل الأفعال. أفعال تُترجم الوعي إلى واقع:

اقتصاديًا: بالسعي الجاد نحو الاكتفاء الذاتي، وتفضيل المنتج الوطني، وحماية القرار المعيشي من الارتهان.

تعليميًا وثقافيًا: ببناء منظومة تُعمّق الانتماء، وتصنع إنسانًا واعيًا، محصنًا من احتلال الفكر قبل الأرض.

اجتماعيًا: بتعزيز الوحدة الوطنية، ومنع الاختلاف من التحوّل إلى انقسام، أو الرأي إلى تخوين، فالأعداء لا يخشون اختلافنا بقدر ما يخشون اتفاقنا.

إن “الوطن أولًا” تعني، في جوهرها، امتلاك القرار المستقل: في الحرب والسلم، في الاقتصاد والسياسة، في الثقافة والمصير. وتعني رفض أن نكون أرقامًا في معادلات الآخرين، أو ساحات اختبار لمشاريعهم، أو أسواقًا لهيمنتهم المادية والفكرية.

وختامًا، فإن بناء الوطن ليس مهمة سلطةٍ وحدها، ولا مسؤولية مرحلةٍ بعينها، بل هو واجبٌ وطني شامل تتقاسمه الحكومة والشعب، والمؤسسات الرسمية والمجتمع، والقطاعان العام والخاص، والفرد والأسرة، في كل قريةٍ ومديريةٍ ومحافظة. فالدولة لا تُبنى بالقرارات فقط، بل تُبنى بالإرادة اليومية، وبالعمل المتراكم، وبالشعور العميق بأن كل موقع هو جبهة، وكل جهد لبنة، وكل التزام صادق خطوة في طريق السيادة. وحين يدرك الجميع أن الوطن مسؤوليتهم الأولى والأخيرة، يتحول التحدي إلى فرصة، والصبر إلى قوة، ويغدو المستقبل ثمرةً طبيعية لوطنٍ آمن به أبناؤه فبنوه.

عامٌ ينتهي، وآخر يبدأ…والوطن يظل الغاية، والبوصلة، والمسؤولية الأولى.

 

قد يعجبك ايضا