الطريق إلى الرواية
يبلغ الكاتب والروائي المتخصص في القرون الوسطى امبرتو ايكو الـ81 من عمره. وكان قد بدأ محاولة كتابة الرواية منذ سنوات شبابه في عهد موسوليني وهو يقدم في عمله الأخير ما يسميه “اعترافات روائي شاب” كما جاء في عنوانه.
ولا شك أن رواية ايــكو التي تحمل عنوان “اسم الوردة” أحد أشهر أعماله وأحد الأعمال المميزة خلال القرن العشرين. إذ أســهم نقـــلها إلى السينما في زيادة التعريف بها. إلى جــانب ترجمتها إلى غالبية اللغات الحية في العالم. وهذه الرواية لها حكاية يبوح صاحبها بها في سلسلة “اعترافات روائي شاب” ذلك من بين عديد الحكايات الأخرى.
يعود امبرتو ايكو إلى عام 1978 حين أسرت له صديقة كانت تعمل في ميدان النشر أنها طلبت من عدد من الروائيين أن يكتب كل منهم أقصوصة بوليسية قصيرة. وكانت إجابته لها آنذاك: “لا تهمني الكتابة الإبداعية”.
وكان تعليق تلك الصديقة يعني أنها لا تنوي نشر عمل ركيك ضخم عن عالم الأديرة. وانتهى الحديث عند تلك النقطة. لكن ايكو يشير إلى أن الأمر لم ينته بالنسبة له عند ذلك الحد. فعندما دخل بيته بدأ بالتفتيش بين أوراقه ووجد مسودة تعود إلى العام السابق. كان الأمر يتعلق بورقة كتب عليها اسم عدة قساوسة.. ما تفسير ذلك¿
لم يكن ايكو في بدايات اهتمامه بالكتابة يحرر أية كلمة مكتوبة بل يكتفي ببعض الرسوم التوضيحية لكتب لم يكتبها في واقع الأمر. إنه لم يبدأ الكتابة بالمعنى الحقيقي والجدي للكلمة إلا عندما أصبح يعمل في التدريس في جامعة بولونيا الإيطالية. وكانت كتاباته الأولى في حفل الدراسة واللغات بينما توجه فيما بعد إلى كتابة الرواية بمحض الصدفة.
السمة التي يؤكد عليها ايكو بشكل خاص في ممارسته للكتابة تتمثل في إحساسه المستمر بـحيوية الشباب. وإلى حد ما أنه يكــتب من موقع الهواية تقريبا.
ومن الواضح أن هذا الكتاب يتمتع بـ”صفة شخصية جدا” ولكن يرشح منه أسلوب ايكو الأكاديمي والمتبحر في عالم اللغة إذ يعبر بكل صراحة وبساطة من دون رقابة على الذات. وهذا ما يسمح فيه اختيار عنوان “اعترافات” فالكلمة ذاتها فيها بعض ما يقوله المخطئ كي يزيح عن نفــسه وطأة ما كان قد اقترفه من خطايا.
كما يولي المؤلف اهتماما خاصا في هذه “الاعترافات” للبحث في النظريات الأدبية. ذلك أن الأقسام الثلاثة الأولى من بين الأربعة التي يتألف منها الكتاب مكرسة للبحث في تلك النظريات. ويحمل القسم الأول منها عنوانا: “من اليسار إلى اليمين”. وهذا العنوان لا علاقة له أبدا بالسياسة بل بالكتابة لكن عن طريق الدعابة.
وعن سؤال آخر مفاده: “بماذا شغلت نفسي أثناء قترة إنـــتاجي الأدبي¿” يجيب ايكو: “شغلت نفسي في جمع الوثائق وفي زيارة الأمكنة وفي رسم الخرائط وفي التعرف على مخططات الأبنية وحتى على مخططات السفن. وفي التملي بوجــوه شخوص رواياتي. وبالنسبة لرواية: اسم الوردة رسمت صورة لكل قس وكاهن كنت بصدد الكتابة عنهم”.
يذكر ايكو في “اعترافات روائي شاب” الكثير من أدباء ومفكري عصره وكل العصور من سقراط إلى فلوبير. ولكنه يتوقف عند حكايته مع “مخطط شعري” لأرسطو كان قد اشتراه عندما كان شابا وبحث عنه طويلا في رواية “اسم الوردة” من دون جدوى.
وذات يوم وجده صدفة وهو يبحث في الرفوف العليا لمكتبته الشخصية. إن “اعترافات روائي شاب” عمل يلقي أضواء كثيرة على طريقة عمل وكتابة امبرتو ايكو وكيف وصل إلى “الرواية” بعد مسار جامعي طويل. وكذا يمثل رحلة اكتشاف مكنون أفكار وذهن أحد أهم كبار الأدباء المعاصرين.
المؤلف في سطور
امبرتو ايكو. أديب وباحث موسوعي إيطالي. أحد أشهر الروائيين المعاصرين. ومن أبرز روائيي العالم. يعمل مديرا للمدرسة العليا للدراسات الأدبية في جامعة مدينة بولونيا الإيطالية. لديه العديد من الدراسات والروايات منها: “اسم الوردة”.
الكتاب: اعترافات روائي شاب – المؤلف: امبرتو ايكو- الناشر: غراسيه – باريس- 2013 -الصفحات: 240 صفحة – القطع: المتوسط.