سيرة المكان في رواية “صنعائي”

رياض حمادي


خلافا لموقف أغلب الشعراء المعاصرين من المدينة الذي يتسم بالعداء, تحتفي الروائية نادية الكوكباني بالمدينة بدءا من العنوان “صنعائي” (*), وحتى آخر فقرة فيها. وتنتهي إلى أن المدينة لا تحتاج إلى وساطة الحبيب كي تعشق. تظهر المدينة في رواية “صنعائي” متجاوزة حيزها المكاني الهندسي إلى فضاء أو مكان خيالي, رمزي وشعري. ولأن المدينة شخصية رئيسية, أو هي الشخصية الرئيسية, لذلك يحضر الإحساس بالمكان بقوة خلافا للمدينة في الرواية الكلاسيكية التي تشكل بالنسبة للحبكة مجرد خلفية يمكن استبدالها بمدينة أخرى: فباريس يمكن أن تكون لندن أو برلين, لكن صنعاء, في رواية “صنعائي”, لا تشبه غيرها من المدن, ولا يمكن استعاضتها بمدينة أخرى ولو كانت يمنية.
المعاناة هي المادة الخام الأولى للإبداع والتي بها, لا عنها, يصنع الكتاب إنجازاتهم خصوصا الأدبية والفنية منها. المعاناة وحدها لا تصنع الكاتب, لكن ربما حجم المعاناة ونوعها هو ما يجعل فرقا بين كاتب وآخر. ولعل المهندسة المعمارية – الدكتورة نادية الكوكباني, هي التي أوحت للروائية فيها بحجم المعاناة التي تمر بها صنعاء القديمة فحولت المدينة من حجر إلى بشر إلى أيقونة, حين يكون معنى الأيقونة تحويل الحقائق الراهنة إلى قيم خالدة, وتحويل الأوهام العاطفية إلى مشاعر أبدية. إعادة الحياة إلى مدينة يتهددها الموت, والاعتبار إلى أبطال لا يقهرهم الموت, هو ما تفعله الكاتبة, انطلاقا من مهمة الأدب كنزعة نحو تجاوز الموت كما يرى ليسكانو, فتقدم لنا شهادة على أعمق ما في الحياة كي تبقيها في ما وراء الموت. فتعيد الاعتبار إلى أولئك الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل الدفاع عنها. من هؤلاء, المناضل, بطل حرب السبعين, عبدالرقيب عبدالوهاب.
كل رواية هي سيرة ذاتية
“الشخصيات في الأساس “كائنات ورقية” وإن المؤلف (المادي) للقصة, لا يمكن أن يختلط مع راويها في أي شيء من الأشياء.. فالذي يتكلم (في القصة) ليس هو الذي يكتب (في الحياة)” رولان بارت
تبدأ الرواية بإهداء إلى البطل المناضل “عبد الرقيب عبد الوهاب”. كمدخل يعطينا لمحة عن جانب سياسي مهم في الرواية. ويتخلل الرواية سرد لقصة حب مزدوجة: عشق حميد لصنعاء الممزوج بعشقه لصبحية وحورية, وعشقهن حميد وصنعاء. ثم تنتهي الرواية بعبارة “صبحية” “أنا صنعاء وصنعائي أنا! …”. وهي عبارة توحي بالغموض في محاولة لتشتيتنا أكثر ولمعاودة التساؤل:
هل كتبت الكوكباني عن شخصيات من لحم ودم أم أنها تخلق شخصيات من لحم ودم ¿! وعن أي سيرة تكتب: سيرتها, سيرة هذه الشخصيات, أم سيرة المدينة, وبالتالي سيرتنا ¿!
“صبحية” درست الفن التشكيلي في جامعة القاهرة وكذلك الكاتبة درست في نفس الجامعة لكن الهندسة المعمارية, والعمارة هي روح رواية “صنعائي”. لاشك أن الكاتبة استفادت من دراستها وتجربتها في مجال العمارة, ثم ضمن فريق التوثيق لإصدار “موسوعة صنعاء”. وربما وهي تتجول في مدينة صنعاء القديمة شاهدت بأم خيالها الروائي “حميد” و “صبحية” وهما يتجولان بين أزقتها فحولت الخيال إلى لحم ودم يضج بالحياة وتفاصيلها الدقيقة.
لكن, هل التشابهات بين حياة الشخصية الورقية ومبدعها تكفي للقول بأن الحكاية أو بعض أحداثها جزء من سيرة الكاتب ¿!
قد يتسرب الاعتقاد بأن بعض تفاصيل الحكاية, هي جزء من سيرة ذاتية مموهة لمبدعتها. السبب الأول لهذا الاعتقاد هو سوء ظن القارئ بالكتاب اليمنيين من أنهم لا يستطيعون خلق شخصيات من لحم ودم فيلجئون للكتابة عن شخصيات من لحم ودم! وسبب آخر هو رفد الرواية بالتاريخ ووجود شخصيات تاريخية مثل “عبدالرقيب عبدالوهاب” و “هاشم علي” وغيرهم, إضافة إلى عنصر أهم وهو الصدق الذي اتسمت به الرواية, والتفاصيل الدقيقة والرسم الفائق للشخصيات, إلى درجة ربما تجعلك تبحث عنها كلما زرت صنعاء القديمة!
لكن على افتراض أن في الحكاية شيئا من السيرة الذاتية لكاتبها. هذه تساؤلات لا تضيف شيئا ولا تغير من قيمة العمل الروائي. فالأهم هو مقدار الصدق والإقناع الذي يبعثه فينا, مصداقا لعبارة “رولان بارت” عن موت الكاتب, ومقولة “ستانلي فيش” من أن “القراءة ليست مسألة اكتشاف لما يعنيه النص وإنما سيرورة اختبار لما يفعله بنا.”. وهنا يكفي وجود علامة تعجب واحدة في نهاية جملة أو فقرة, كي تمنح متعة التأمل والتأويل. وهذا ما تحققه “صنعائي”, ما يجعلها قابلة لتعدد القراءات وانفتاح الدلالات.
قراءة الرواية نوع من البحث عن سيرتنا الذاتية, وهنا نحتاج, كما عبر “البرتو مانغويل”, إلى آلاف الروايات لاستكمال هذه السيرة. وأقرب الروايات إلى القارئ, من وجهة نظري, هي تلك التي تلمس فيه وترا حساسا وتحرك فيه “حس التعاطف” الذي تعتبره آذر نفيسي جوهر الرواية. هذا الحس هو ما يجعل القارئ يشعر بالخدر في العظام عندما يقرأ عملا أدبيا ويجعل منه قارئا جيدا تم

قد يعجبك ايضا