مستعمرة الجذام
د. ياسين عبدالعليم القباطي
أقاربي في آنس لا يعرفون أين أنا ولربما قد يئسوا من بقائي حيا أرزق فالحرب بين الملكيين – وأنصارهم مشايخ الشمال وقبائلهم والجمهوريين الذين يناصرهم اليمنيون في الوسط والجنوب – قد ألتهمت الكثير من أبناء اليمن مرضي أيضا كان سببا آخر ليظنون أنني ميت أنا حي وقد أكون ميتا عند أهل قرية أبو حسن لا أعرف هل من الحكمة أن أرسل لهم مكتوبا مع المعافا لأخبرهم أنني مازلت على قيد الحياة ¿ أخبرهم إنني أعيش في مستعمرة الجذام في تعز تشاورت مع عمي محمد الآنسي فشجعني أن أطمئن الأهل وهكذا فعلت وبعثت المكتوب مع الضيف الذي قدم من آنس لزيارة أخته.
المترجم عبدالله بدر يئس من إقناعي بمغادرة مستعمرة الجذام وأستمر رقودي في المستعمرة ولم يعد الدكتور السويدي يطالب بسفري وصلت رسالتي إلى آنس وكتب لنا الرجل الذي حملها إن الأهل فرحوا فرحا شديدا بوجودي في الحياة بعد أن كنت في إعتقادهم أنني من الموتى تواصلوا مع أخي محمد عزيز العسكري بقوات المدفعية بالحديدة فحضر سريعا من الحديدة ليزورني في تعز كانت فرحتي شديدة بلقائه بعد طول فراق أستضاف عمي محمد صالح أخي محمد في بيته وتكلمنا كثيرا وأخبرني بقصص يشيب لها الرأس منها مأساة قتل وتعزير بجثمان القائد عبدالرقيب عبدالوهاب في صنعاء في عام 1968م بعد رحيل القوات المصرية إثر هزيمة 1967م وإنتصار الجيش الإسرائيلي على جيوش 4 دول عربية . هزيمة العرب العرب الكبرى وضعت جمال عبدالناصر في موقف سيئ جدا فأعلن مسؤوليته عن الهزيمة وقدم استقالته فخرجت الجماهير العربية في مصر والعالم العربي تطالب بعودته للحكم فعاد وأنعكس وضع الهزيمة على حرب اليمن فعقد مؤتمر قمة في الخرطوم ووقع عبدالناصر مع فيصل إتفاقية الخرطوم دون التشاور مع القادة اليمنيين وكان السلال رئيسا ومعظم قادة اليمن كانوا في السجن الحربي بالقاهرة بطلب من السلال وبضغط من شمس بدران وزير الحربية المصري منذ عام 1966م وعلى رأس الزعماء المسجونين الأستاذ أحمد محمد نعمان وحسن العمري وآخرون كثيرون.
بعد هزيمة يونيو النكراء توسط محمد أحمد محجوب رئيس وزراء السودان ورئيس لجنة المصالحة اليمنية المنبثقة عن إتفاقية الخرطوم عند عبدالناصر لإطلاق سراح القادة اليمنيين وعاد بعضهم إلى اليمن وعلى رأسهم القاضي عبدالرحمن الإرياني الذي لم يكن مسجونا ولكن تحت الإقامة الجبرية في القاهرة وعندما عاد لليمن صار نائبا للسلال ثم حل محل السلال في انقلاب أبيض في 5 نوفمبر 1967م.
بناء على اتفاقية الخرطوم آنسحبت القوات المصرية وكان فيصل الملك السعودي متأكدا أن اتفاقية الخرطوم ستساعد الملكيين في القضاء على الجمهورية بعد أن مدهم بالمال والسلاح الذي من أجله ناصرت القبائل بيت حميد الدين فأحكموا الحصار على صنعاء وأستمر حصارها سبعين يوما من ديسمبر 1967م وحتى فبراير 1968م حصارا خطط له مرتزقة أجانب هم الجنرال الإميركي كوندي والجنرال البريطاني بوب دينار وقاد الحصار على صنعاء قاسم منصر وأحمد بن الحسين حميد الدين وعلي بن إبراهيم حميد الدين وناجي الغادر وقاسم سقل الذي كان يقود عصابات الملكيين في آنس وقد هربت الرتب الكبيرة في الجيش الجمهوري خارج صنعاء وأنتقل المجلس الجمهوري بقيادة القاضي عبدالرحمن الإرياني إلى الحديدة خوفا من سقوط صنعاء وبقيت قوات الصاعقة والمظلات والمدفعية والجيش الشعبي ونقابات العمال وقوات المقاومة الشعبية وأبناء صنعاء القديمة يدافعون عن العاصمة ودحر هجوم الملكيين عند شعوب بقيادة قاسم منصر وفك الحصار بفتح طريق الحديدة بواسطة جيش شعبي تجمعوا في الحديدة قادهم أحمد عبدربه العواضي وناصرتهم قبائل بني مطر بقيادة أحمد علي المطري وفتح الحصار أيضا من جهة نقيل يسلح بواسطة المقاومة الشعبية والجيش النظامي وقبائل من ذمار وإب وتعز ودحرت القوات الملكية وانتصرت الجمهورية وبقي علمها يرفرف فوق اليمن إلى الأبد وانتهى حلم السعودي بعودة بيت حميد الدين الذين تنازلوا لهم عن جيزان ونجران وعسير مقابل حمايتهم كما نصت عليه إتفاقية الطائف.
كان من أشهر قادة ملحمة السبعين وفك الحصار على صنعاء النقيب عبدالرقيب عبدالوهاب رئيس أركان القوات المسلحة واللواء حسن العمري رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة وغيرهم كثيرون غير أن الأيام تمر وتشتعل حرب المناصب والسلطة الطائفية بين الجمهوريين ففي أغسطس 1968م قتل القائد عبدالرقيب بطل ملحمة السبعين وهو لاجئ في بيت علي