اللغات الكونية والابداع الإنساني
لقد كان ظهور اللغة تحولا عظيما بكل المقاييس وكان تطورها – على صورة لغات لا يمكن حصرها ولا يمكن للناطقين بلغة ما فهم كل اللغات الأخرى – دليلا قاطعا على الإبداع الإنساني ولما كانت اللغات قد نضجت كل على حدة في سياق الانتقالات والتحولات الجمعية فلابد وأنه قد برزت للوجود أشكال جديدة للنطق وظهرت الآف من الكلمات المستحدثة وتطورت مئات القواعد النحوية والتراكيب اللغوية وكذلك الاستثناءات اللغوية التي لا تحصى و لقد نشأ كل هذا التطور نتيجة للفعل الإنساني و مع ذلك ففي غالب الظن أن من أحدث هذا التطور لم يكن يسعى إلى ذلك وبالتالي لا يمكن أن يعزى هذا التطور إلى القصد البشري.
ذلك ما يتناوله كتاب “كلمات العالم.. منظومة اللغات الكونية” للمؤلف أبرام دوسوان ونقله للعربية المترجم د.صديق محمد جوهر والصادر موخرا عن مشروع «كلمة» للترجمة في أبو ظبي.
تنافس المجموعات اللغوية
يتألف الكتاب الجديد – الذي يعتبر موسوعة بحثية تجمع لغات العالم في دراسة واحدة – من تسعة فصول و مقدمة تمهيدية ويدور النقاش في هذا الكتاب عن المجموعات اللغوية على مستوى العالم أو ما أسماه المؤلف بظاهرة التكوكب اللغوي الكوني التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من النظام العالمي وبما ينطوي عليه ذلك من أن المجموعات اللغوية تعد ظاهرة اجتماعية عالية الخصوصية يمكن فهمها في ضوء نظريات العلوم الاجتماعية وهذا أيضا أمر جديد وإن يكن غير فريد في سوابقه.
كما يستعرض الكتاب التنافس والتواؤم بين المجموعات اللغوية العالمية عبر دراسة اللغات من وجهتي نظر كل من علم الاجتماع السياسي وعلم الاقتصاد السياسي أما الأول فيركز على بنية النظام اللغوي وأنظمته المحيطة كما يعنى بما يسمى “الغيرة اللغوية” بين الجماعات المختلفة واحتكار النخبة للغة الرسمية وإقصاء الأميين وغير المتعلمين كما يولي اهتمامه لاستخدام اللغة كوسيلة لتحقيق الحراك الاجتماعي الصاعد أما العلم الثاني فيتصدى لتحليل الطرائق التي يحاول الناس بها تعظيم فرصهم في الاتصال وكيف أن هذه المحاولات تصادف معضلات في العمل الجمعي إلى الدرجة التي قد تدفعهم دفعا للنزوح الجماعي نحو لغة أخرى والتخلي عن لغتهم الوطنية كما يتطرق هذا العلم إلى ما يجري في علاقات التبادل غير المتكافئ بين المجموعات اللغوية الصغيرة والكبيرة ويتعين القول إن الكثير من هذه الأفكار المستقاة من علمي الاجتماع والاقتصاد لم تطبق أبدا من قبل في مجالي دراسة اللغات والمجموعات اللغوية المختلفة بيد أنهما معا (علمي الاجتماع والاقتصاد) يشكلان إطارا نظريا متسقا يساعد على تفسير وقائع تخص مجموعات لغوية عالمية متباينة كما في الهند وأندونيسيا وشبه الصحراء الأفريقية وجنوب أفريقيا أو الاتحاد الأوروبي.
وفرة لغوية
لقد انتظم سكان الأرض في قرابة مائتي دولة وشبكة منظمات دولية تمثلان البعد السياسي للنظام العالمي وتم ربطهم بسلسلة من الأسواق والشركات تجسد البعد الاقتصادي لهذا النظام كما تم ربطهم بالثقافة العالمية الشاملة عن طريق الإعلام الإلكتروني كما تأسس النظام البيئي الذي يهدف لتحسين ظروف البيئة المتدهورة لقد حظيت فكرة إقامة مجتمع إنساني شامل على نظام ذي نطاق عالمي بالمزيد من الاهتمام في الأعوام الأخيرة ومع أن البشرية التي فرقت بينها كثرة اللغات قد ارتبطت مع ذلك عبر شبكة المتحدثين متعددي اللغات فأقامت مجموعات لغوية متناسقة مضيفة بذلك بعدا آخر للنظام العالمي فإن هذه الحقيقة بقيت خافية لحد الآن علما بأنها غنية عن أي توضيح.
ويرى المؤلف أن الجنس البشري يتفرع لما يربو على الخمسة آلاف جماعة يتحدث كل منها لغة مختلفة ولا يفهم أيا من لغات الآخرين ورغم كل هذه الوفرة اللغوية جلبت البشرية على نفسها بلبلة لغوية جمة بيد أنه وبالرغم من ذلك ظل الجنس البشري بأنواعه مترابطا إذ تخطى هذا الانقسام من يتحدثون أكثر من لغة فضمنوا الاتصال بين الجماعات المختلفة وبذلك حفظت التعددية اللغوية اتصال البشرية التي فرقت بينها كثرة اللغات ويؤكد المؤلف أن روابط التعدد اللغوي بين المجموعات اللغوية المختلفة لم تظهر اعتباطا ولكنها على خلاف ذلك أقامت شبكة اتصال قوية فعالة مدهشة تربط بشكل مباشر أو غير مباشر بين البلايين الستة من سكان الأرض إن ما يشكل نظام اللغة العالمي هو هذا النموذج الإبداعي للروابط بين المجموعات اللغوية التي تشكل منظومة اللغات العالمية إن هذه المجموعات اللغوية جزء لا يتجزأ من نظام اللغة الكوني كما أنها تمثل قطاعا من النظام العالمى ذاته.
ويتزايد الاعتقاد حاليا بأن كل اللغات الجاري استعمالها على الأرض تنتمي إلى أصل مشترك وأنها تطورت على الأرجح في أعقاب المسيرة التطورية للبشر الحاليين المتحدرين من سلالة جينية مشتركة خلال ما يقارب المائة والعشرين ألف عام وفي الوقت الراهن وفي
