جاءت الرسالة الشاملة التي وجّهها فخامة المشير الركن مهدي المشاط- رئيس المجلس السياسي الأعلى، إلى الشعب اليمني والأمة الإسلامية، لتضع النقاط على الحروف في مرحلة مفصلية وحساسة، مؤكدة على ثوابت الموقف اليمني بين مدّ اليد للسلام العادل والمنصف، والجهوزية التامة لتكريس وتصعيد معادلات الردع وحماية حقوق الشعب اليمني وسيادته.
وفي الرسالة كانت القراءة الدقيقة لمسار اثني عشر عاماً من المواجهة والصمود، والتدرج الواعي والمذهل للقيادة الثورية والسياسية والعسكرية اليمنية في إدارة الصراع والمعركة مع العدوان والتحديات، وهو مسار لطالما نال إبهارنا كمراقبين على مدى تلك السنوات.
كما أن هذا الشعب الذي خرج إلى الساحات بعشرات الملايين وقدّم التضحيات الجسيمة وبنى معادلات الردع العسكرية، هو ذاته الذي دخل المفاوضات بنوايا صادقة وخاض مسارات خفض التصعيد حرصاً على حقن الدماء وإنهاء المعاناة الإنسانية، إلا أن الانقلاب السعودي على التفاهمات ونكث التعهدات وخارطة الطريق تحت تأثيرات الحقد و التبعية والعمالة ووطأة الضغوط والمصالح الخارجية، هو ما فرض تفعيل معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”، كاستحقاق دفاعي مشروع يستند إلى الحق القرآني والقانوني والإنساني في مواجهة المعتدين.
وفي رسالة المشاط ظهرت جدية التعاطي مع مبادرات السلام العادل، وترحيب القيادة اليمنية بالمساعي المنصفة، وفي مقدمتها المبادرة الصادرة عن الأزهر الشريف، وهو ما يمكن قراءته محليا وعربيا، بكونه يجسد الحرص المبدئي على السلام المستدام المبني على معالجة الملفات الإنسانية العاجلة، ورفع الحصار، وصرف المرتبات، وتمكين الشعب من ثرواته، واحترام سيادة واستقلال اليمن دون انتقاص.
وعن الافتراءات والادعاءات السعودية المختلقة بشأن استهداف الأماكن المقدسة، جاء ا7لرد عكسيا من الرئيس المشاط، إذ حمَّل النظام السعودي المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد أو استغلال يمس مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومؤكداً أن مقدسات الأمة الإسلامية خط أحمر دونه الأرواح.
ولم يفت أن يؤكد أن مؤامرة الضغط الاقتصادي والعسكري لن توهن عضد الموقف اليمني المساند والملتزم دينياً وأخلاقياً بالقضية الفلسطينية ونصرة الأقصى وغزة، وأبعد من ذلك فقد دعا إلى تكاتف إسلامي واسع يرأب الصدع ويواجه المخاطر الصهيونية المحدقة بالأمة، ونبه الى أن تحويل الممرات الحيوية كباب المندب إلى ساحات تصعيد عسكري هو الخطر الحقيقي الذي يهدد استقرار المنطقة والتجارة الدولية.
إن رسالة الرئيس المشاط تجاوزت توصيفها كإحاطة سياسية بمستجدات الميدان بعد مائة يوم من جولة التصعيد الأخيرة، إلى كونها وثيقة عهد والتزام للشعب اليمني بأن حقوقه في ثرواته وحريته واستقلاله غير قابلة للمساومة، وأن اليمن يمتلك من الإرادة والخيارات ما يكفل انتزاع تلك الحقوق، وأن الأبواب لا تزال مفتوحة أمام كل صوت رشيد يختار مسار الإنصاف وإنهاء العدوان والحصار.
