إنه متخثّر أخضر، يستند إلى سنّ لطخه البني الفاتح، حتى خيل إلي أن الألم قد انحسر، سأسمح له بأن يتكور قليلا، وأتمنى لو أن له رائحة العفن؛ لأكون منفّرة بين الناس، فلا يقترب مني أحد سوى بعض المختلين، إني متقززة منه، وسعيدة به جدا، لعل اجتماع النقيضين في مكان واحد هو ما يجعل التعلق أشد، لا يمكن تصور عدد الصفعات التي تحدث داخل فمي الآن، وأنا أتلذذ بهذه المعارك العشبية، يبدو أن الأمر لا يتعلق بهذه الأوراق المرمية، “القات”، بقدر ما يتعلق بهذا الكتاب الذي أفتحه، يحتاج الأمر إلى قليل من الدخان، تمنيت ذلك بشدة، خصوصا بعد يوم ماطر، وما إن تخيلت الهواء اللعين وهو يندفع إلى رئتي، حتى سمعت صوت أمي يخترق الجدار الذي لا أحد خلفه سوانا:” أنا والكتاب” لقد كسرتها ودفنتها قطعة قطعة، يا لذاكرتي الرخيصة، كيف نسيت أن أمي تكره الشيشة جدا؟.
على حين غفلة، دقت الحجة منسية الباب بكل قوتها، همست بانفعال: “ليس وقتك الآن” إنها لا تريد سوى أن تحدثني عن أغنامها، كيف ضاعت وعادت وحدها، أنا في أوج متعتي بخلو البيت، أحاول أن أقرأ روايتي المرعبة، بينما لا يبدو أنها جاءت لتغادر سريعا، مضت بأعجوبة، ولم تلبث أن عاد الطرق إلى الباب، فكرت أن أصمت، لعل الطارق يظن أن لا أحد في البيت، لولا أنني سمعت صوت العجوز الوقحة: “افتحي، افتحي يا صنجا”.
لو كانت طفلة لقرصتها بلا أي ندم، يا للمفارقة، كيف تبدل غضبي حتى تحول إلى رغبة في التأمل! ها هي تثرثر وأنا أمعن النظر في ملامح وجهها، وشعرها المنسدل الذي أفلتت منه خصلات قليلة، ويديها المقلمتين، ومنخريها المرفوعين، وحده فمها المفتوح ما يزعجني، ومع ذلك، أبتسم بمكر، لأنني أعرف كيف أنتقم منها، أقول بنبرة يملؤها التشفي:” المغتربون سيتم ترحيلهم قريبا” إنها الحيلة الوحيدة التي تنجح في إبعادها عني، فهي تخاف على ابنها المغترب.
أمرر أصابعي على كتفي، صقيع قاتل! صار البيت باردا من كثرة فتح الباب وإغلاقه، لا أعلم أي صحة تنتاب تلك العجائز! ارتديت جاكيتا صوفيا،لكنني قلبته؛ فوبره في الخارج، وداخله خشن، يشبه كل شيء رأيناه بقلوبنا، ثم اكتشفنا زيفه، فتحت عينيّ، الجو جميل في الخارج، لكن علي أن أغلق النافذة؛ ستأتي العجوز.
صوت غريب، ليس ورقا، ولا طعاما، ولا طرقا على الباب، إنه الشاي “الشاي نسيته ” ظل على النار حتى انطفأت، أطراف ظفائري مبتلة، لقد سبقني الشاي إلى نهايته، استلقيت أخيرا في مكاني، بلا شاي، بلا كتاب، بلا عجوز، المغيب آت، وسيعود الجميع البيت فارغ الآن، سألت نفسي بسخرية: لماذا لا نحب الذين حولنا؟ ولماذا نتوق إلى عالم غير متاح؟ لماذا نهرب من كل شيء، حتى من الأشياء التي لا تطلب منا سوى أن نبقى قليلا؟ هل أنا قاسية، أم أنني متعبة فحسب؟.
أرفع صوت الموسيقى قليلا، فيرتفع صوت مباشر،
” أمي لا تحبني كثيرا؛ لأن راتبي قليل، الحجة تظن أنني متكبرة؛ لأنني لا أجلس معها، الأطباء، إنهم لا يرون وجوه المرضى بقدر ما يرون جيوبهم، وصديقاتي يستنفرن من غيابي اللامحدود، وجارتي تسألني متى سأثخن كل يوم” هكذا أفكر حين يملأ القات فمي، كأنني أحاول أن أسد به منفذا لا أعرف أين يقع.
عموما لم أرد أن أحدثكم عن نفسي أبدا، بل عن الكتاب الذي أمسكته ولم أقرأ منه ورقة واحدة، ثمة حزن شديد يدفعني إلى البكاء كلما بدأت قراءة كتاب عميق، أظن أنني من أكثر المسحوقين بهذا الأثر، لكنني مفلسة، أتوجع لأنني قارئة ممتازة تهجر الكتب، وأتوجع حين أحسم أمري وأقول إنني أستطيع، ثم يتحول عقلي إلى مسخلة، تدخل إليه الأفكار حية، ولا تخرج منه كما دخلت، أكره شعوري بأنني كاتبة بلا كتب، ولاكتابة، وقارئة بكل هذا الوعي.
