من شعارات التحرر إلى أحضان الرجعية: كيف باعت بعض القوى اليساريية مبادئها وارتمت في حضن الرياض؟
كانت القوى اليسارية والقومية، بمختلف تياراتها الناصرية والبعثية والماركسية، ترى في أنظمة البترودولار امتدادا للهيمنة الامبريالية الغربية وأدوات لحماية مصالحها في المنطقة، وتعتبر ارتهان القرار العربي للخارج نقيضا للسيادة والاستقلال والتحرر الوطني.
وكانت تنظر إلى تلك الأنظمة بوصفها جزءا من منظومة سياسية واقتصادية تقف في مواجهة تطلعات الشعوب العربية نحو الحرية والعدالة الاجتماعية والتحرر من التبعية، وترى في مواقفها المتخاذلة من القضية الفلسطينية دليلا على التناقض بين الشعارات المعلنة والمصالح الفعلية.
ومن أجل هذه القناعات، دفع كثير من المناضلين اليساريين والقوميين ثمنا باهظا، فسجنوا وشردوا وعذبوا، وقدم ب عضهم حياتهم وهم يحملون مبادئ التحرر والكرامة الإنسانية ويرفضون الاستعمار بشكليه القديم والحديث، ويؤمنون بأن فلسطين قضية تحرر وطني لا يجوز إخضاعها لحسابات المال والنفوذ والصفقات السياسية.
لكن المفارقة الموجعة أن بعض من ورثوا هذه التيارات بعد رحيل مؤسسيها، أو رفعوا شعاراتها باسم التقدمية والوطنية، انتهوا إلى مواقع تناقض كل ما دافع عنه أسلافهم، فانفتحوا على الأنظمة التي طالما وصفوها بالرجعية والتبعية، وارتموا في أحضان الرياض، وتحول بعضهم من خصوم للهيمنة الخارجية إلى مدافعين عن سياساتها ومبررين لمواقفها، حتى عندما تعارضت تلك السياسات مع المصالح العربية والقضية الفلسطينية ومبادئ الاستقلال الوطني.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد مراجعة فكرية أو تحول سياسي يمكن أن تفرضه المتغيرات، فالمراجعات حق مشروع حين تقوم على النقد الصريح والاعتراف بالأخطاء واحترام عقول الناس، وإنما تكمن المشكلة في أن تتحول المراجعة إلى تبرير لكل ما كانت تلك القوى ترفضه بالأمس، وأن تصبح المصالح الشخصية والامتيازات المادية أقوى من المبادئ التي سجن المناضلون من أجلها، وأن يغدو الصمت عن الانتهاكات فضيلة، والتواطؤ مع الهيمنة واقعية سياسية، والتخلي عن القضايا الوطنية حكمة وحنكة.
وتبدو هذه المفارقة أكثر إيلاما في الحالة اليمنية، حيث انخرط بعض المنتسبين إلى التيارات الناصرية والبعثية والماركسية، ممن كان يفترض أن يكونوا حراس المشروع الوطني والاستقلال والسيادة، في اصطفافات سياسية أفضت إلى تبرير التدخل السعودي في اليمن أو التقليل من آثاره الكارثية، بل إن بعضهم بات يقدم السياسات السعودية باعتبارها ضرورة لإنقاذ اليمن، متجاهلا أن أي علاقة بين دولتين ينبغي أن تقوم على احترام السيادة وعدم فرض الإرادة بالقوة أو تحويل القرار الوطني إلى ورقة في حسابات القوى الإقليمية.
وليس من المقبول أن يرفع المرء راية التحرر من الاستعمار ثم يتسامح مع الهيمنة حين تأتي من دولة عربية، أو يرفض الوصاية الغربية ثم يقبل الوصاية الإقليمية، أو يتغنى باستقلال القرار الوطني ثم يبرر إخضاعه لإرادة الخارج. فالهيمنة لا تتغير حقيقتها بتغير اللغة التي تستخدمها، والتبعية لا تصبح استقلالا لمجرد أن من يمارسها يتحدث العربية ويرفع شعارات الأخوة والجوار.
إن الأكثر إيلاما في هذا المشهد أن التضحيات التي قدمها المناضلون اليساريون والقوميون في السجون والمنافي وساحات النضال لم تكن ملكا لأفرادهم وحدهم، بل كانت جزءا من ذاكرة وطنية وتاريخ سياسي ارتبطا بمقاومة الاستبداد والاستعمار والدفاع عن حقوق الشعوب. ومن ثم فإن التفريط بهذه المبادئ لا يمثل مجرد تحول في مواقف بعض الأشخاص، بل يطرح سؤالا أخلاقيا وتاريخيا حول معنى الوفاء لتلك التضحيات، وحول مصير الأجيال التي دفعت أعمارها ثمنا لأفكار يجري التخلي عنها اليوم بلا مراجعة مسؤولة ولا اعتذار للضحايا.
وأي تناقض أشد من أن يتحول من كان يندد بالأنظمة الرجعية إلى مدافع عنها، وأن يصبح من كان يحذر من المال السياسي جزءا من منظومته، وأن يتحدث من كان يطالب باستقلال القرار الوطني باسم الوطنية ذاتها لتبرير ارتهان القرار اليمني للخارج؟ وإذا كان بعض هؤلاء يعيشون في الفنادق الفاخرة ويتلقون المخصصات والمكافآت، فيما يواجه اليمنيون الفقر والحرمان والدمار وتبعات الحرب، فإن هذا التباين يثير تساؤلات مشروعة عن طبيعة المصالح التي تحكم مواقفهم، وعن الثمن السياسي والأخلاقي الذي تدفعه البلاد عندما تتحول النخب إلى واجهات لتسويق سياسات القوى الخارجية. غير أن الحكم على كل شخص أو قيادي لا ينبغي أن يقوم على الانتماء السياسي وحده، ولا على مجرد الإقامة في الخارج أو تلقي الدعم، بل على مواقفه المعلنة وأفعاله ومدى اتساقها مع مصالح شعبه واستقلال بلاده.
فالمعيار الحقيقي ليس مكان الإقامة، وإنما الموقع الذي يقفه المرء عندما تتعارض مصالح الوطن مع مصالح الجهة التي تدعمه، وليس حجم الشعارات التي يرفعها، وإنما استعداده للدفاع عن مبادئه حين تصبح مكلفة.
كما أن القضية الفلسطينية تكشف بوضوح حجم هذا التناقض؛ فمن الصعب أن يظل المرء وفيا لخطاب التحرر القومي واليساري وهو يتجاهل ما يراه من عجز وتخاذل رسمي تجاه فلسطين ، أو يبرر السياسات التي يعتقد أنها تضع المصالح والتحالفات فوق حقوق الشعب الفلسطيني.
ففلسطين ليست شعارا يستدعى في المناسبات، ولا ورقة للمزايدة على الخصوم، بل قضية ترتبط بجوهر التحرر من الاحتلال والهيمنة، ولا يستقيم الدفاع عنها بخطاب مزدوج يرفض الظلم في مكان ويبرره في مكان آخر.
وكذلك فإن رفض العدوان على اليمن لا ينبغي أن يكون مشروطا بالانتماء إلى هذا الطرف أو ذاك، بل يستند إلى مبدأ ثابت هو حرمة الدم اليمني وحق الشعب في تقرير مصيره ورفض التدخلات التي تنتقص من سيادته، أيا كانت الجهة التي تقف وراءها. إن اليسار الحقيقي لا يقاس بما يعلقه من صور المناضلين الراحلين، ولا بما يردده من أدبيات الثورة والتحرر، وإنما بقدرته على حماية القيم التي استشهد أولئك من أجلها، وفي مقدمتها العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والاستقلال الوطني ورفض الاستغلال والتبعية.
والناصرية لا تكون وفاء لجمال عبد الناصر بمجرد استحضار اسمه، والبعثية لا تكون وفاء لشعارات الوحدة والحرية والاشتراكية بمجرد تكرارها، والماركسية لا تبقى حية بمجرد الاحتفاظ بمصطلحاتها، بل بمدى التزام أصحابها بحق الشعوب في امتلاك قرارها وثرواتها ومستقبلها. أما أن تتحول هذه المدارس إلى لافتات سياسية تبرر التناقضات وتغطي المصالح الخاصة، فذلك لا يمثل تطورا فكريا، بل إفراغا للمبادئ من مضمونها وتحويلا للتاريخ النضالي إلى رصيد يستثمره بعض الأفراد في معاركهم ومكاسبهم إنها خيانة حقيقية . وفي النهاية، فإن التاريخ لا يحاسب الناس على الشعارات التي رفعوها في شبابهم بقدر ما يحاسبهم على المواقف التي اتخذوها عندما اختبرت المصالح صدق تلك الشعارات.
ومن حق اليمنيين أن يسألوا كل من يبرر التدخل الخارجي أو يتساهل مع انتهاك السيادة: أين ذهبت مبادئ التحرر التي طالما بشرتم بها؟ وأين اختفت مواقفكم من التبعية والهيمنة والاستعمار؟ وكيف صارت السعودية الرجعية حامية حمى الأمة في ليلة وضحاها؟! وكيف أصبح ما كنتم تصفونه بالأمس خيانة للاستقلال ضرورة سياسية اليوم لاستعادة وطن الى إحضان السعودية؟ إن الوطن ليس سلعة في سوق التحالفات، ولا تضحيات الشهداء رصيدا لتبرير الارتهان، ولا فلسطين شعارا يرفع حين يخدم المصالح ويسقط حين يتعارض معها.
ومن يختار الاصطفاف مع الخارج على حساب وطنه، فعليه أن يتحمل مسؤولية موقفه أمام شعبه والتاريخ وأمام الله والعالم، مهما كانت الأسماء التي يتستر خلفها أو الشعارات التي يرفعها. فالمبادئ التي لا تصمد أمام المال والامتيازات ليست مبادئ راسخة، والوطنية التي تتخلى عن الوطن عند أول اختبار ليست إلا ادعاء أجوف وانتهازية صرفة بل ونذالة حقيقية، أما المناضلون الذين دفعوا حياتهم ثمنا للحرية والسيادة فسيبقون، مهما حاول المتاجرون بإرثهم تشويه المعاني، أصدق تمثيل للقيم التي خانها بعض من جاءوا بعدهم.
