في أواخر أكتوبر من العام 2015م وبعد أسابيع من انطلاق أولى عمليات الحقد السعودي ضد أبناء اليمن فيما سُمي بعاصفة الحزم كانت الطائرات السعودية تصب كل أحقادها وأضغانها على البسطاء من الناس في هذا البلد وهم الصيادين لتقتل وتجرح المئات منهم في جزيرة عقبان بالبحر الأحمر ودمرت قواربهم وشردت وأفقرت عشرات العائلات اليمنية وفي العشرين من أكتوبر الحالي قتلت ثمانية صيادين بسواحل الكدحة بتعز بدم بارد وحقد ملتهب لا يكاد يهدأ في صدور حكام مملكة قرن الشيطان وبين الجريمتين عشرات الجرائم التي اقترفها ابن سلمان بحق الصيادين اليمنيين طوال العشر السنوات الماضية من عمر عدوانه المستمر.
-تشكّل السواحل اليمنية الممتدة على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب شرايين حياة رئيسية لمئات الآلاف من الأسر التي تعتمد كلياً على مهنة الصيد البحري غير أن هذه المياه الزرقاء تحولت على مدار سنوات العدوان الطويلة إلى مسارح لمآسٍ إنسانية مروعة راح ضحيتها مئات الصيادين الأبرياء ومن ورائهم الألاف من أطفالهم وعائلاتهم.
-تبرز في ذاكرة الدم اليمنية مجزرة جزيرة عقبان (أو عكبان) كما يسميها الصيادون المحليون الواقعة في عرض البحر الأحمر بمحافظة الحديدة، والتي وقعت يوم الخميس 22 أكتوبر 2015م، كواحدة من أبشع الجرائم المنهجية التي استهدفت المدنيين العزل.
-في ذلك اليوم المشهود أغارت مقاتلات تحالف العدوان السعودي على تجمعات ومراكب الصيادين في الجزيرة ومسحت قواربهم التي كانت تمثل مصدر الرزق الوحيد لهم. وأسفرت تلك الغارات المباغتة عن سقوط حصيلة دموية ثقيلة تجاوزت بحسب التقارير المحلية والحقوقية أكثر من 200 شهيد وجريح تحولت جثث العديد منهم إلى أشلاء متناثرة على الرمال وتحت مياه البحر في جريمة تركت ندوباً عميقة في وجدان المجتمع المحلي وأثارت تنديدات واسعة وصمتاً دولياً مخيباً ومتواصلا إلى اليوم.
-لم تكن مجزرة جزيرة عقبان حادثة عابرة أو خطأً عملياتياً معزولاً، بل دشنّت مسلسلاً طويلاً ومتصلاً من الاستهداف الممنهج لقطاع الصيد البحري في الساحل الغربي اليمني. فخلال السنوات اللاحقة، وثقت الجهات الرسمية والحقوقية عشرات الاعتداءات الدموية التي طالت الجزر المأهولة والموانئ الصغيرة ومراكز إنزال الأسماك في الحديدة وتعز وحجة. وتُظهر الإحصائيات الرسمية لوزارة الثروة السمكية اليمنية أن إجمالي عدد الضحايا من الصيادين جراء الغارات والهجمات البحرية تجاوز مئات القتلى والجرحى والمفقودين، فضلاً عن تدمير مئات القوارب ومحركات الصيد، وحرمان آلاف الأسر من قوتها اليومي عبر فرض قيود صارمة وحظر بحري تسبب في مجاعة صامتة ضربت وتضرب مجتمعات السواحل البسيطة.
-توالت حلقات المأساة عبر استهدافات متكررة طالت سواحل المخا وذوباب والخوخة وحيس، وصولاً إلى المحطة الدموية الحديثة المتمثلة في المجزرة التي استهدفت الصيادين في ساحل الكدحة بمديرية ذوباب التابعة لمحافظة تعز في العشرين من أكتوبر الجاري وأسفرت الغارات الجوية الأخيرة في ساحل الكدحة عن استشهاد ثمانية صيادين على الأقل وهم يصارعون أمواج البحر بحثاً عن لقمة عيش أطفالهم وسط ظروف اقتصادية بالغة التعقيد تعيشه محافظة تعز ومناطقها الساحلية.
-عكست مجزرة ساحل الكدحة وما تلاها من استهداف ممنهج للصيادين وقواربهم في البحر وعلى السواحل الإصرار السعودي على سفك دماء الأبرياء والفئات الأكثر ضعفا من المجتمع اليمني في مسعى خبيث يرمي إلى كسر إرادة الشعب اليمني غير مدرك بان الأجواء الدموية المستمرة واستمرار استهداف البنى التحتية المدنية وقوارب الرزق البسيطة وغيرها من المنازل والمشئات المدنية إنما تؤجج نار الثأر في نفس كل يمني غيور ويدفعه لمزيد من التحدي والإصرار على التصدي للغطرسة والاستكبار والطغيان السعودي والثبات في معركة الاستقلال والكرامة.
-تكرار هذه المجازر بحق الصيادين – ابتداءً من دماء الأبرياء في جزيرة عقبان عام 2015م وصولاً إلى دماء العمال الكادحين على ساحل الكدحة في أكتوبر 2026 م- يضع المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان أمام اختبار أخلاقي جديد. ورغم تعاقب السنوات وتغير مسارح العمليات يظل الصياد اليمني الحلقة الأضعف والهدف الأسهل لنيران العدوان بينما تواصل العائلات الثكلى رفع أصوات المطالبة بتحقيق دولي مستقل وإنهاء الحصار المفروض على مقدرات البحر الأحمر وضمان عدم إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب لكي تتوقف شلالات الدم المتدفقة على شواطئ اليمن الحزينة.
