سقوط أوهام القوة

يكتبها اليوم / عادل عبدالله حويس

ليس أخطر على صانع القرار من أن يقرأ موازين القوى من زاوية الأرقام الصماء فيسقط من حساباته روح الشعوب وتراكمات التاريخ، فعلى مدى سنوات طويلة ساد وهم عريض مفاده أن اليمن بلد أثقلته جراحه الخاصة وأنهكته أزماته المتتالية حتى غدا في أعين البعض ساحة هشة يمكن إخضاعها بالحصار أو كسر إرادتها بتفوق الترسانات واستعراض القوة.

لقد ظنت حسابات المال والغطرسة أن المعارك تُحسم بمجرد امتلاك أحدث التقنيات وفتح الخزائن لعقد صفقات السلاح وحشد التحالفات متناسية أن الجغرافيا اليمنية بطبيعتها الوعرة وعقيدة إنسانها الصلبة كانت عبر كل العصور مقبرة للغزاة ومستنقعا لكل من ظن أن السيادة الوطنية تشترى بالذهب أو تنتزع بالقهر .

واليوم بعد أكثر من عقد من محاولات الإخضاع يقف المشهد برمته أمام لحظة فارقة تتهاوى فيها أساطير الحسم السريع وتتداعى صورة القوة المستعارة ليعيد اليمن صياغة أبجديات الصراع من جديد معلنا أن الاستخفاف بالشعوب الحرة ليس مجرد سوء تقدير عسكري بل هو خطأ استراتيجي يرتد وبالاً على أصحابه ويزلزل ثوابت الردع في المنطقة كلها.

استخفوا باليمن طويلاً وحسبوا أن بلداً أثقلته عقود من الإفقار والإنهاك يمكن أن يبتلع في بضعة أسابيع أو أن شعبا صاغته الجبال وخبر صروف الدهور يمكن أن يُكسر أمام طفرة الوفرة وبريق الحديد والنار كان الرهان قائماً على أن استعراض التفوق الجوي وشراء المواقف الدولية سيعيدان هندسة الجغرافيا وفق مشيئة الهيمنة وأن صنعاء ستجثو في نهاية المطاف تحت وطأة الحصار لتطلب الأمان بأي ثمن غير أن الذين يقراون حركة التاريخ من فوهات المدافع وحسابات البنوك يجهلون دائما كنه الشعوب الحية والعصية على الترويض لم تكن المعركة يوما مجرد منازلة بين إمكانات متناقضة بل كانت اختبارا حقيقيا لإرادة البقاء والكرامة في مواجهة صلف الهيمنة .

وعلى مدار أعوام ممتدة أثبت الإنسان اليمني المحاصر الذي اجترح معجزته من بين الركام أن عقيدة الدفاع عن الأرض تفوق اعتى منظومات القتال التي استنزفت المليارات دون أن تبني جداراً منيعاً يحمي أصحابها من ارتدادات أفعالهم.

لقد تكشفت الحقيقة كاملة حين ارتدت ميادين الحرب لتصل تداعياتها إلى عمق الحسابات الاستراتيجية حيث لا تجدي البيانات المنمقة ولا تنفع مساحيق الدعاية الموجهة وحين تتبخر أسطورة العواصم المحصنة تتلاشى معها كل رهانات القوة العارية التي ظنت أن الاحتماء بالمظلات الدولية يمنح حصانة دائمة من غضب المقهورين.

إن تحول مسار المواجهة إلى إصابة المفاصل الحيوية ليس حدثا عابرا بل هو تحول بنيوي عميق في قواعد الاشتباك وفي معادلة التوازن بأسرها.

إن الدرس البليغ الذي يسطره اليمن اليوم بصبره وتضحياته هو أن هيبة الدول لا تستعار من الخارج ولا تشترى بصفقات السلاح الباهظة بل تبنى بإرادة الإنسان وكرامته وسيادته المطلقة فوق ترابه الوطني، لقد راهنوا على كسر الكبرياء الجمعي بالجوع وقطع شرايين الحياة، فكانت النتيجة أن هذا الإنسان المحروم من أبسط مقومات العيش تحول إلى صانع للمعادلات الكبرى يفرض على الإقليم والعالم بأسره إعادة قراءة المشهد بلا تعال أو غرور لم يعد اليمن تلك الحلقة الضعيفة في الحسابات الجيوسياسية، بل غدا ركنا أساسيا تتوقف عند ممراته وخلجانه حسابات الملاحة وتوازنات الأمن الإقليمي لتسقط مقولات الإخضاع تحت أقدام شعب واجه الصعاب بأقدام ثابتة وعلم الجميع معنى أن يكون الوطن اغلى من الحياة.

لكن وراء هذا المشهد العسكري العاصف يظل الوجع الإنساني الصامت شاهدا أبديا على فداحة الثمن وقسوة الفاتورة التي دفعها ملايين البسطاء من قوت أيامهم وصحة أطفالهم ومستقبل أجيالهم، غير أن هذا الثمن الباهظ لم يذهب سدى في ميزان التاريخ بل أسس لواقع جديد لا فكاك منه خلاصته أن زمن الوصاية قد ولى وأن عهد فرض الشروط بالقوة قد طوي إلى الأبد فبوصلة الأمن والاستقرار في هذه البقعة من العالم لن تهدأ الا حين يدرك الجميع أن احترام إرادة الشعوب هو السبيل الوحيد للنجاة وأن الاستعلاء لا يولّد إلا الخراب والتيه.

أن الخلاصة التي يفرضها الواقع اليوم تتجاوز صدى الغارات وصور الدمار لترسخ حقيقة ناصعة مؤداها أن كرامة الأوطان لا تسحقها الصواريخ وأن الأمن كل لا يتجزأ فبناء أسوار الطمأنينة الوهمية في العواصم والمنشآت يظل سرابا خادعا ما دامت نيران العدوان تستعر عند الجيران لم يعد أمام أصحاب النفوذ الا التخلي عن أوهام الهيمنة وإدراك أن استقرار المنطقة وشرايين الطاقة فيها لا يمران عبر فرض الحصار بل عبر الاعتراف الصريح بحق الشعوب في تقرير مصيرها وسيادتها لقد تحول اليمن من هدف يراد إخضاعه إلى رمز لصمود الشعوب موجها درسه الخالد لكل من يعتبر أن الركون إلى جبروت القوة زائل وأن السلام العادل القائم على الندية والاحترام المتبادل هو الملاذ الوحيد لحفظ الأوطان من الانزلاق نحو المجهول.

قد يعجبك ايضا