عدن سوق للغش.. وحكومة الزنداني تبيع أحلام الطلاب..والمنح تتحول إلى إرث لأبناء المسؤولين.. وقرارات تُفرّغ المدينة من أهلها
شهادات تشترى بالمال.. ومقاعد الجامعات تحجز لمن يدفع أو يملك النفوذ
الثورة/ مصطفى المنتصر
فضيحة تعليمية تضرب عدن: طلاب أجانب يأتون للغش في الثانوية العامة، ومنح خارجية تتحول إلى غنائم لأبناء الوزراء والسفراء والنافذين، فيما تُصدر الحكومة قرارات تستهدف النازحين وتحجب الحقوق عن الناس.
حين تباع الشهادة في عدن، ويمنح مقعد الطالب لمن يدفع أو يملك النفوذ، ويحرم المتفوق من حقه لأن اسمه لا يحمل اسم عائلة مسؤول، فإن الجريمة لا تقف عند قاعة امتحان ولا عند مكتب موظف صغير، بل تصعد إلى من يفترض أنهم يحكمون. هذا التقرير لا يكتب عن فضيحة عابرة، بل عن منظومة كاملة بدأت من الغش في امتحان، ووصلت إلى قرار يرمي النازحين في الشارع، ومنحة تورث في دفاتر الوزارة، ومدينة تدار بالولاءات لا بالقانون.
يتحدث ناشطون ومواطنون عن شبكات تنظم وصول الطلاب الأجانب إلى عدن للحصول على معدلات في امتحانات الثانوية العامة، ثم تنتقل الشهادات إلى جامعات عربية تقبلها دون مساءلة كافية. وبحسب هذه الروايات، فإن وزارة التربية والتعليم التي يُفترض أن تحمي الامتحانات لم تتحرك بما يوازي حجم الظاهرة، والحكومة التي تدير الوزارة لم تعلن تحقيقاً شفافاً، والنتيجة أن الشهادة اليمنية تفقد قيمتها أمام أبنائها قبل أن تفقدها أمام الآخرين.
وتزيد الصورة وضوحاً ما تتداوله المصادر من أرقام عن حجم الوجود الأجنبي في هذا السوق، إذ يُقال إن أكثر من 300 طالب أردني فقط وصلوا إلى عدن لاستكمال تعليمهم الثانوي في مناطق سيطرة المرتزقة.
أولاً: عدن… من مدينة للعلم إلى سوق للغش
كشف ناشطون ومواطنون عن تحوّل عدن إلى وجهة لطلاب أجانب من دول عربية، لا للتحصيل العلمي، بل للغش في امتحانات الثانوية العامة والحصول على معدلات مرتفعة يُفتح بها باب كليات الطب والجامعات الكبرى. ويحمل المنتقدون وزارة التربية والتعليم في حكومة المرتزقة المسؤولية الكاملة عن هذه المهزلة، ويرون أن الوزارة التي يفترض أن تحمي شهادة البلد تركت السوق مفتوحة أمام التجار بها.
وقد تحولت القضية إلى فضيحة حين لقيت طالبة أردنية، هي آمنة الرواشدة، حتفها في عدن الأسبوع الجاري، إذ كشف خالها أن سبب قدومها إلى اليمن لم يكن حباً في التعليم اليمني، بل الحصول على معدل مرتفع عبر الغش يمكنها من التسجيل في كلية الطب بالأردن.
ويرى ناشطون أن توافد طلاب من دول عربية إلى عدن بغرض الحصول على شهادات بمعدلات مرتفعة عبر الغش خطر بالغ يسيء إلى سمعة التعليم في اليمن ويحول الشهادة اليمنية إلى ورقة تشترى. ويتساءل هؤلاء: إلى متى؟ ولماذا لا تتحرك سلطات المرتزقة لحماية سمعة التعليم؟ ومن الجهات التي تسمح لهذه الشبكات بالعمل تحت أعين المسؤولين؟
إن ما يجري، بحسب المنتقدين، ليس تلاعباً بالدرجات فحسب، بل طعنة في ظهر الطلاب اليمنيين المتفوقين الذين يكدون في ظروف معيشية صعبة، ثم يفاجؤون بأن مقاعد الجامعات تحجز لطلاب أجانب دفعوا للغش. وهي، في وصفهم، جريمة مكتملة الأركان بحق مستقبل الأجيال، تفرغ التعليم من محتواه، وتجعل الشهادة سلعة لا تعبيراً عن الكفاءة.
المنح الخارجية… من حق المتفوقين إلى غنيمة الأسر النافذة
وبحسب ما ورد في تقرير رقابي عن لجنة مراجعة أوضاع المبتعثين، تتهم حكومة المرتزقة في عدن بتحويل المنح الدراسية الممولة من المال العام إلى حصص عائلية توزع على أبناء الوزراء والسفراء والسياسيين والنافذين.
وبحسب التقرير كما نشر، رصدت نحو 508 حالات لأشقاء مبتعثين، تراوح عددهم بين شقيقين وخمسة من الأسرة الواحدة، توزعوا على دول أبرزها مصر وتركيا والسودان وروسيا، فيما حرم مئات الطلاب المتفوقين من فرصهم بسبب غياب الواسطة. كما ذكر التقرير أن 284 عائلة نافذة استحوذت على نحو 33 في المئة من إجمالي المنح الخارجية، وأن بعض العائلات حصلت على 16 منحة أو أكثر، وهو رقم يتجاوز ما حصلت عليه بعض الجامعات الحكومية اليمنية بكاملها.
ويضيف التقرير، بحسب المنشور، أن بعض الأسماء عدلت بحذف ألقاب العائلات أو تغيير الاسم الرابع لإخفاء صلات القرابة، وأن الوزارة استبدلت في حالات طالباً منقطعاً عن الدراسة بشقيقه مباشرة، وأن أبناء مسؤولين ودبلوماسيين وسياسيين بارزين ضمن المستفيدين.
قرارات حكومة المرتزقة… من يدفع ثمن الانهيار؟
لا تقف المسألة عند الشهادات والمنح، بل تمتد إلى قرارات تتخذها حكومة المرتزقة والأجهزة التابعة لها، ويدفع ثمنها المواطنون الأضعف، وفي مقدمتهم النازحون الذين فروا من الحرب في الساحل الغربي وتعز.
فقد كشفت مصادر حقوقية في عدن عن مذكرة أصدرها مدير قسم شرطة منطقة العريش إلى رؤساء اللجان المجتمعية، تمنع تأجير المنازل والشقق السكنية للنازحين القادمين من مناطق شمال اليمن في الساحل الغربي ومحافظة تعز، وتوجه بجمعهم في «أماكن مخصصة». وتعني هذه المذكرة، كما وصفها الناشطون، أن الحرب التي هجرتهم تلاحقهم اليوم داخل مدينة يُفترض أنها تحتضن الجميع، وأن كرامة الإنسان في المناطق المحتلة أصبحت تقاس بجواز سفره ومكان ولادته.
وترافقت هذه المذكرة مع ما تداولته معلومات عن منع مليشيات المرتزقة للنازحين من المحافظات الشمالية من دخول عدن، وعن حملة تحريض تقودها منصات تابعة للانتقالي ضد النازحين. وهكذا يصبح الأهالي الهاربون من مناطق الصراع رهائن لصراع الأجهزة، لا ضيوفاً يُستقبلون.
وفي هذا السياق حمل ناشطون المجلس الرئاسي وحكومة المرتزقة مسؤولية الصمت أمام ما يتعرض له نازحو تعز والساحل، إذ لم تعلن أي خطة إيواء أو تعويض ظاهرة، بينما تستمر الفنادق الفاخرة في استقبال المسؤولين والعائلات النافذة، ويُترك المهجّرون في مدارس ومنشآت مؤقتة أو تحت الأشجار، بحسب ما تكرر في النداءات الأخيرة.
ويطالب ناشطون بفتح تحقيق عاجل ومستقل في شبكات الغش والابتعاث، ونشر أسماء المستفيدين وقوائم الاستحقاق، ومحاسبة كل مسؤول وزع منحة خارج المعايير، وإلغاء المذكرات التي تميز ضد النازحين أو تحجب الحق في السكن.
