سقوط استراتيجية الاستعلاء وفرض قواعد الردع

سند الصيادي

بالتحول من استراتيجية الدفاع وامتصاص الضربات إلى عقيدة الهجوم الاستباقي والردع الاستراتيجي الشامل، نجحت القوات المسلحة اليمنية في تكريس معادلة استراتيجية جديدة قلبت موازين القوى رأساً على عقب، وضعت بموجبها قيادة دولة العدوان السعودي أمام مأزق عسكري وسياسي معقد، لا تملك معه رفاهية المناورة.

أفرزت مسارات العمليات العسكرية – منذ بداية التصعيد الأخير- تطوراً نوعياً غير مسبوق في البنية التكتيكية والعملياتية للقوات المسلحة اليمنية، تجلى هذا التحول في كسر التفوق الجوي للتحالف، مع فرض سيادة بحرية يمنية خانقة لخطوط الإمداد، أثبتت من خلالها صنعاء قدرتها الكاملة على التحكم بالممرات المائية وشل حركة الملاحة المعادية، محولة سلاح البحر إلى أداة ضغط اقتصادية وعسكرية استراتيجية.

كما انتقلت القوات اليمنية من انتظار الهجمات، إلى توجيه ضربات استباقية دقيقة شلت تحركات وتحشيدات العدو في مهدها وأفشلت أي محاولات لتغيير خارطة الميدان، متوجة هذه القدرات بتنفيذ ضربات صاروخية ومسيرة فائقة الدقة طالت المطارات السيادية والمنشآت الحيوية في قلب السعودية، لتكشف الجبهة الداخلية للعدو وتجعلها في مرمى النيران.

وبقدر هذا التفوق العسكري المبهر، نجحت القيادة اليمنية في استثمار هذه الإنجازات لترسيخ واقع سياسي جديد، عماده تثبيت معادلة “الند للند”،  فقد مثّل خطاب السيد عبدالملك الحوثي، وما تلاه من ترجمة عسكرية فورية لمعادلة “المطار بالمطار، والحصار بالحصار”، نهاية فعلية لحقبة التفرد السعودي بقرار التصعيد.

أصبحت كل غارة أو خطوة حصار تُقابل بشلل فوري في الملاحة الجوية والاقتصادية السعودية،  ما رفع تكلفة استمرار الحرب إلى مستويات تفوق قدرة الرياض على الاحتمال، هذا الواقع الجديد وجه ضربة قاصمة لرؤية 2030 وللاستقرار الاقتصادي السعودي، ومثل تقويضاً مباشراً لعجلة الاستثمار الأجنبي، ناهيك عن التداعيات  على الملاحة والارتفاع الجنوني في أقساط التأمين.

كل ذلك يشكل استنزافاً مالياً يضيق الخناق على صانع القرار السعودي ويفاقم من تآكل خيارات التحالف في ظل الحصيلة الصفرية لتحشيداته المستمرة على الأرض، وأمام هذا العجز الميداني السعودي والتصاعد المطرد في القدرات اليمنية، تجد الرياض نفسها مجردة من أي أوراق ضغط حقيقية في أي استحقاقات تفاوضية مقبلة.

لقد عكس هذا الواقع الميداني  إرادة سياسية يمنية صلبة، مسنودة بقدرات عسكرية متنامية تضع النظام السعودي أمام حقيقة واقعة ووحيدة؛ وهي أن الاستمرار في المكابرة العسكرية لن ينتج سوى المزيد من الانهيار الأمني والاقتصادي.

لم يبقَ أمام الرياض لتجنب الانهيار الشامل سوى مسار واحد، الرضوخ لمعطيات الميدان، ورفع الحصار، والعودة إلى طاولة المفاوضات وفقاً للشروط والمحددات التي فرضتها القوات المسلحة اليمنية بقوة الردع.

في المحصلة، تحولت هذه المواجهة إلى محطة تاريخية تعيد كتابة قواعد الاشتباك في المنطقة بأسرها، وبفضل الله وحنكة القيادة ووعي الشعب وبسالة القوات المسلحة،  أسقطت صنعاء بوصلة الهيمنة، وأثبتت أن إرادة الشعوب – متى ما تسلحت بالإيمان والقضية ، تعزز الصمود وتطورت بالقدرات العسكرية، وباتت قادرة على كسر أعتى الترسانات.

اليوم، يبقى السؤال الماثل أمام القيادة السعودية  “كيف نخرج من هذا المأزق بأقل الخسائر؟”؛ فالتاريخ لا يرحم المكابرين، والواقع الجديد كُتب بلسان النار وقوة الردع، ولا سبيل لتجاهله.

 

 

قد يعجبك ايضا